الثلاثاء, 01 نوفمبر 2022 20:46

حتى لا تتورط يا "طابو" في التحيز الثقافي والعنصري! مميز

كتب بواسطة :

"في الحالة الخاصة بدول شمال إفريقيا، فإن إدماجهم في العالم العربي هو نتيجة تزوير مخزي للتاريخ ونتيجة سيطرة استعمارية متكررة. شعوب المنطقة لا تزال متمسكة بثقافتها الألفية وأصلها الثابت غير القابل للتغير، بحيث أن أي زراعة لهُوية أخرى، لن تصمد ولن تكون بديلا عن هويتهم المتجذرة في أعماقهم. وحتى لو استمر حكام هذه الدول المنكرة، في انكار هذه الحقيقة التاريخية التي لا جدال فيها، فإن المنطقة ظلت وفية لتاريخها وجذورها وهويتها..".. هذه الفقرة من مقال الناشط السياسي "كريم طابو" عن القمة العربية، والرجل يتحدث عن "زراعة لهوية أخرى"، دسَ هذه الفقرة في مقاله وحشرها حشرا، وهذا طرح استعلائي مؤدلج، فإن كان مقالك سياسيا ناقدا فلا تضعفه وتوهنه بجدل الهوية منحاز ومنغلق، والسياسي يعتمد لغة جامعة ولا تستبد به نزعة عنصرية..وأنصحك بأن تعرض ما تكتب على عقول راجحة متزنة قبل نشره، فعقلان أفضل من عقل واحد...ولا تقطع برأي في قضية فيها من التزاحم والتعدد والتنوع ما لا يخفى على حصيف، حتى لا يتحول الخوف على انغلاقك إلى كابح نفسي وهاجس مرضي...

يتعامل مع مسألة الهُوية وكأنها جوهر أحادي جامد منغلق لا يقبل التعدد، وهذا فيه طغيان للحشد الخطابي على التأمل المعرفي والاختزال الأيديولوجي على النزوع الإنساني والمعرفي المستوعب للأفكار والتحولات والظرف والبيئة والإرث، والتسليم بشرعية الهويات المتعددة، والاعتراف لها بحقها في الوجود والاحترام، وكان من نتائج هذا الشطط تفجُر صراعات مركّبة داخل الكيان والبلد الواحد، استنزف المجتمع وشغله عن تحقيق مطامحه في العدل والحرية، فالذين يحدوهم الخوف على التشديد على الهوية من دون الثقة بالنفس والانفتاح على الغير، ينتهي بهم الأمر غالبا إلى إفقار الذات حرصا على حمايتها من الآخر، ثم يؤجج هذا صراع السرديات المهيمنة والسرديات المعاكسة..وفي مقابل هذا الإفراط في الانغلاق، والتعبير المغالي عن الهوية والخصوصية، شطح بعض المثقفين إلى نفي الذات ونعيها في وجه سطوة الإرهاب الفكري للقوميات المتطرفة أو الحركات العنصرية المعادية، وصار يبشر بهوية لا هوية لها.

وقد أحسن الكاتب والمفكر "أمين معلوف" في كشفه عن بؤس وفقر الانحباس في هذين الخيارين، فكتب: "لا يمكننا أن نكتفي بأن نفرض على مليارات الناس الضائعين الاختيار بين التأكيد المفرط لهويتهم وفقدان كل هُوية". فمهم مراجعة النظرة القديمة إلى الهُوية، كما لو أنها مُعطى أحادي ثابت، فالتحولات الأخيرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية تعتبر الهُوية مجالا مركبا مرنا وفي تشكل مستمر، مراعاة لمقتضيات الإمكان الإنساني، كما انتقل التركيز على الهُوية باعتبارها حقيقة صلبة قائمة بذاتها إلى التركيز عليها بوصفها علاقة تنوع وتفاعل وتكامل مع الآخرين، للسياق والمكان والموضع أعظم الأثر فيه. وتكاد أكثر الدراسات الجديدة الجادة تتأسس على إدراك "ثراء الذات" الإنسانية وتركيبها وانفتاحها ومرونتها، وتتخلص من النظرة التبسيطية والأحادية إلى الهوية.

وعلى هذا، فإدارة الهويات المتعددة إدارة راشدة تثمر الانسجام الاجتماعي والثراء الثقافي والامتزاج العرقي، وأما الفشل في ذلك فيفضي إلى التحيز الثقافي والعرقي والصور النمطية الاختزالية وضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ونشر الكراهية البغيضة والانفجارات الاجتماعية والسياسية والمناطقية...والتعبير المغالي عن الهوية أو الخوف المفرط عليها أمارة ضعف ونذير تصدع وانقسام..والثقافة التاريخية تركيب من سرديات شتى لأطراف شتى، فلا تضيق واسعا..وتبقى صياغة الهويات المتراكمة والمتزاحمة في قالب وطني جامع، من دون أن يبغي بعضها على بعض، من التحديات الكبرى في بلدان كثيرة، ومنها بلادنا، لكن القضية تخضع لتسييس وتوظيف..

وُمهم إدراك أنه لا يوجد إنسان بهوية بسيطة واحدة، فـلكل منا هويات متزاحمة، ولكل جماعة بشرية أكثر من هوية تتنازعها، فيظهر بعضها ويخفت الآخر، ويطغى بعضها على بعض، لكنها لا تمحي ولا تختفي، وتوجد أكثر من هوية مؤثرة في الوقت ذاته...وما يعتبر خطرا، فعلا، هو الأمل في حلول مطلقة، ولا أظن أننا سنصل إلى صيغة مطلقة، قريبا، في هذه القضية كما في قضايا شائكة أخرى، لكن ما هو مطلوب وملح اليوم وغدا هو إدارة الهويات المتعددة إدارة راشدة تثمر الانسجام الاجتماعي والثراء الثقافي والامتزاج العرقي، والفشل في ذلك يفضي إلى التحيز الثقافي والعرقي والصور النمطية الاختزالية وضعف الثقة بين مكونات المجتمع، ونشر الكراهية البغيضة والانفجارات الاجتماعية والسياسية والمناطقية...

ولعلي أذكر السياسي "كريم طابو" بأن بعض المغفلين والناقمين والحاقدين يستمتع بصراع الهويات، فإن لم يجد ما يتصارع عليه اصطنع تهارشا وتناوشا وإلهاء حتى يبقى في دائرة متعة الصراع، استنزافا وتمييعا وإغراقا في التيه..الهوية تبني ولا تهدم، وهؤلاء المتربصون يستخدمون الهوية للهدم والتقاتل والتدمير الذاتي...وأخطر ما نواجهه في هذه القضية هو تفتيت الهوية إلى هويات صغيرة نتعارك عليها، وهو ما عمل عليه المتربصون لعقود من الزمن وصرح به المستشرق الصهيوني "برنارد لويس" في كتاب عن صراع الهويات. والفضاء الحضاري الإسلامي الجامع يتسع داخليا ليشمل الأقليات والأعراق واللغات واللهجات والأجناس، ولهذا مهم تعزيز الهوية الجامعة، بدلا من منطق التفتيت، والحفاظ على جميع الهويات وصون حقوقها، وأعظم انتماء جامع لشعوب إقليمنا هو الحضارة الإسلامية...

قراءة 162 مرات آخر تعديل في الأحد, 06 نوفمبر 2022 09:40