الجمعة, 04 نوفمبر 2022 10:50

رغبات الزعامة...تُسقط الأهداف الكبيرة تحت فردية قاتلة مميز

كتب بواسطة :

التعثَر في عالم السياسة ومعارك التغيير لا يكون دائما ناتجا عن عدم بذل الجهد، وإنما ينتج كذلك عن سوء التقدير في وضع الجهد موضعه المناسب، وتبديد الطاقات في معارك وهمية، ومناوشات جانبية...وأنجح التجارب السياسية هي تلك التي تديرها قيادة جماعية، أما طغيان مزاج "الزعيم" فيها والفرد المهيمن، الذي يرى نفسه هو محور أيَ تحرك، فهذا يعجَل بدفن التجربة في مهدها...

والقيادة الجماعية أو منطق الفريق يضم العقل التخطيطي الاستشرافي والعقل العملي التنفيذي.. ومهمة القيادة الجماعية أن تدلَ الناس على الطريق والمفترض فيها أن تنظر أبعد مما ينظرون، ولذلك كانت القدرة التصوَرية أهم فيها من القدرة العملية...وإنما يُحمد الحكماء بحسن التثبت في أوائل الأمور واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات عند استدبارها...والغفلة عن أهمية الجانب التصوري يُنتج نوعا من القيادة لا تحسن إدارة الصراع وتدبير الشأن العام، ويستهويها الاستعراض وحسابات التلميع وغوية الزعامة وتتخطَفها الحماقات..

وقد يفهم المثقف والسياسي خطأ أن مكانته وشهرته وتأثيره يعني الصواب المستمر، وهذا ليس صحيحا، بل قد يكون صوابه في وقت ما مهواة به إلى أخطاء فظيعة في أوقات أخرى عندما ينسى أسباب الصواب السابقة، فالواعي بنفسه وإمكاناته يجاهد على جبهتين: جبهة المصالح العامة وتقديمها، وجبهة مواجهة "الأنا" وما تزرعه النفس من اعتداد بالنفس والاغترار قد يُضعف الوعي الذاتي...وربما كان أحدهم يحمل معارف وإمكانات تؤهله لأن يكون كبيرا مؤثرا، ولكنه لم يستطع أن يقاوم نزعات الزعامة والتفرد والاستعلاء، ديمقراطي اللسان دكتاتوري الممارسة، إنهم يملكون ولا يعرفون كيف يوائمون بين مطالب العلوَ ونزعات الصغار..

مِزاجُ المناور السياسي يضعف مكانة المسكون بالزعامة، وقد غلبت عليه الزعامة في شخصيته، ثم  إن فرديته تُفقده الكبار من قومه، ولا يبقى حوله إلا مَن يصغره كثيرا، أولئك الذين رأوا البريق، ولم يستبصروا بعدُ. فيجد نفسه بين الصغار زعيما بلا ندَ، ورأيا واحدا لا قبيل له، وهو لا يدرك أنه بهذا قد فقد الرجال ذوي الرأي والقدرة، ولم يكونوا معه، ولن يكونوا، لأن آراءهم غالية عليهم، فلا يُهملونها، وغالية عليه أن يتنازل ويقبل، وهو في حاجة لأن يفهم ما لا يحبَ...

وهذا فصل مكرور من قصة تجارب الزعامة في بلداننا، تُسقط الأهداف الكبيرة والأعمال الريادية تحت فردية قاتلة. تبدأ برجال صادقين جادين أفذاذ، ثم ينتهون، أو ينهون عملهم أتباعا بلا رأي، أو يتخلون هروبا من القيادات المراوغة أو التي استبدت بها الزعامة وتضخم في شخصها "الأنا"، أو الصالحة التي تصطدم بجدار الحقيقة، أو بضعف القدرة وقصر النظر، وتصرَ كلها على استبعاد ذوي القدرة والرأي، لأنهم غير منسجمين، ولا يطيقون ثقافة القطيع، ومسلكه (المتعطش للزعامة) يعكس سلوكه السياسي، الذي يُسلِّم بقدرة التجربة والمناورة والحيلة ليبلغ مراده، ولا يدرك أن إصراره على انغلاق واستعلاء يُضعف فكرته، ويحبط مشروعه، ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى...

وذلك لأن رغبات الزعامة تفرض ثقافة تختلف عن مسؤولية المصلح.. ولهذا يقتضي الأمر دوام الرقابة من لدن المجتمع الحيّ ومثقفيه ومبصريه، مخافة الانحراف والزيغ والعكوف على النفخ وتلميع عقل واحد، أيا كان، ولذلك لا بدّ من جعل الوعي والتوعية حسَا عاما وثقافة جماعية تقطع الطريق على نزوات الزعامة والتفرد، وتمنع من خوض معارك التلميع والمكاسب الشخصية ..

والأفكار التجديدية الحيّة المُلهمة الدافعة في الأمم إنما هي حصيلة مراجعات نقدية واعية للمواقف والاختيارات، وهي ناجمة عن حالة من التجديد الفكري والنقد الذاتي، والتأمل الواعي في التجارب والمسارات والسنن، ولا يمكن اختصارها في قصة شخص أو أشخاص يصنعون زعامة ويُلتف حولهم بقدر من التسليم مع التصفيق، فترتبط حركة التغيير بمعارك الزعامة لا بقوة إلهام الأفكار وحيويتها وتجديدها، وبالزعامة الشخصية أكثر من حركة المجتمع، وهذا يفقدها التأثير الواسع والعمق..

قراءة 123 مرات آخر تعديل في السبت, 19 نوفمبر 2022 20:55