الأحد, 13 نوفمبر 2022 19:38

فصل العسكري عن السياسي أو تخفيف قبضته وسيطرته؟ مميز

كتب بواسطة :

تطلب بناء جيوش قوية في أوروبا "صياغة قيود متبادلة بين الحكام والمحكومين"، وأما دول ما بعد الاستعمار (ومنها الدول العربية) فقد اكتسبت تنظيمها العسكري من الخارج وتضخمت على حساب المجتمع والمكونات والتنظيمات الأخرى، وهذا مقابل التحالف أو الارتباط العسكري بالقوى الخارجية الاستعمارية أو المؤثرة..

وهكذا، فإن توسيع عملية صنع الدولة في أوروبا إلى بقية العالم، لم ينتج عنه إنشاء دول على الصورة الأوروبية القائمة على الفصل والتوازن بين السلطات، والسبب في ذلك يكمن في طبيعة الجيوش المعنية. فإن جيوش ما بعد الاستعمار سيطرت على الوضع وهيمنت على كل التنظيمات لأخرى داخل أراضيها، مما أتاح حوافز هائلة للاستيلاء على السلطة وعلى الدولة كلها، فالدول القومية القديمة في أوروبا لم تشهد أبدا عدم التناسب الكبير بين التنظيم العسكري وجميع أشكال التنظيم الأخرى، غير أن الوضع مختلف في دول ما بعد الاستعمار، حيث كانت الغلبة والتضخم والسيطرة شبه المطلقة للجيوش التي أسهمت أوروبا المستعمرة في بنائها..

وعلى هذا، لا تنتج العسكرة دولا تشاركية فعالة وإنما تصنع دولا أكثر شبها بـ"العصابة المنظمة"، وفقا لتعبير علم الاجتماع التاريخي، بدلا من النموذج الأولي المفتوح والمتوازن للدولة الأوروبية... لذا، يبدو التغيير والوضع في بلداننا أكثر تعقيدا مما نتصور، لا يمكن إبعاد الجيش كلية عن الحكم، وهو يعتبر نفسه صانعا للدولة ومُنشئا لها، ولا يمكنه أن يرى نفسه خارج اللعبة السياسية بل سيَدها، وليس مستعدا للتنازل عن حجمه وتضخمه ولو أدى ذلك إلى إشعال حروب أهلية وحرب الأخضر واليابس، لكن هذا التضخم استنزفه وأضعفه وأحدث تصدعات وشروخ داخل كيانه...

وإذا أمكن تحديد سبب مرض ضعف الدولة بسهولة، فإنه من الصعب العثور على العلاج. إذ يتطلب بناء دول فعالة خضوع قوى البطش للمؤسسات المدنية. وفي كل بلد عربي، يتغير ميزان القوى حاليا في الاتجاه المعاكس حيث العمل على تحصين العسكرة وترسيخها والتمكين لها، ولا يمكن عكس هذا المدَ في القريب العاجل أو بسهولة. وهذا التضخم للقوة الصلبة المهيمنة قوَض الدول والنظام السياسي ومحاولات النهوض. فقد ابتلعت الجيوش العربية الدول ولم تنجح في بنائها، وحان الوقت للبحث عن حلَ لهذه المعضلة الكبرى قبل أن تنفجر بلدان وتنهار أخرى.

 تحتاج هذه المعضلة الكبرى إلى تفكيك ونظر ودراسة وبحث عن صيغة تمنع من الانزلاق والانهيار وتخفف القبضة بعد تعذر الفصل التام بين السياسي والعسكري وتكلفته الباهظة لاعتبارات تاريخية وبنيوية، وليس ثمة وصفة نهائية أو حل قطعي وإنما القضية مفتوحة للاجتهاد السياسي والخيارات التوفيقية الممكنة..

قراءة 111 مرات آخر تعديل في الخميس, 17 نوفمبر 2022 10:21