الخميس, 17 نوفمبر 2022 10:13

الإنسان أهمَ من الفكرة مميز

كتب بواسطة :

قيمةُ الفكرة (حتى وإن كانت تستهوينا وتأخذ بعقولنا وتغرينا، كالثورة) ليست في صحتها كما نظنها أو نراها، وفقط، ولكن أيضا في صحة تطبيقها وملاءمتها وتهذيب اندفاعها وعنفوانها....والفكرة قد تضر عندما لا تخضع لتجارب عقلانية، لأن الأفكار مهما كانت يفسدها الإنسان بتفسيره وطريقة تعامله معها والعكوف عليها والوثوقية العالية بها، وكذا تتبدل بتغير زمانها وظروفها...

ومن يُقدم الفكرة على الإنسان المتعامل معها، يجعل صاحب الفكرة عبدا لفكرته وتكون لها السطوة والهيمنة، فيعيش أسيرا لها بدعوى الوفاء ولكنه التزمت والتعصب، فالفكرة إن لم تُهذب تطرفت وأغلقت عقل صاحبها...فالتوتر الدائم لا يصلح معه تفكير ولا تنتصر به قضية، وأضراره أكبر من نفعه..الحماس الزائد يحجب الرؤية الصحيحة، وجمهور الصخب عابر، ألا ليت الشباب يفهم وليت المشيب يقدر...

والإنسان مُقدَم على الفكرة، والحفاظ على الكتلة التغييرية لا يتقدم عليه، الآن، أيَ اعتبار آخر...فالفكرة يتصرف فيها الإنسان تحسينا وتعديلا وتصويبا، وأما إن غاب الإنسان فلا قيمة للفكرة عمليا...هناك من يقدس الفكرة بدعوى الوفاء لها ويرهق الإنسان ويستنزف طاقته ولا يراعيه، فالأفكار عندهم هي الحقيقة والأشخاص عارضون، ويلغي بهذا ممارسة الإنسان وحدود الممكن والمتاح، فالمهم، عندهم، الفكرة وليس الإنسان، ولذا كان التعصب للأفكار تصلبا وجفافا وانغلاقا..

وعلينا أن نقف ضد التفرد والتهور حتى ممَن نثق فيه، لئلا يُبرَر للأسوأ، وُمهمَ، هنا، التبصر وسعة الصدر والعقل لئلا نتجه إلى تقييد حرية التعبير عن الأفكار داخل حركة التغيير، من حيث لا نقصد، خوفا من الإسقاط والتشكيك، وهذا انغلاق وتشنج وشطط لا يخدم الوعي السياسي بأي حال من الأحوال...ومن كان أكثر وعيا كان أكثر مسؤولية، ومن يبحث عن حلَ عملي يُلامس حقائق الواقع ويجتهد لترويضها ويحفف الأضرار والخسائر ويحافظ على الطاقة التغييرية منعا من التبدد والهدر....

ولنتذكر دائما: الإنسان (الثروة البشرية) مُقدم على الفكرة...ولهذا، نحتاج إلى قدر من الاتزان وتخفيف الاحتقان وإعمال العقل والتفكير الهادئ المستوعب لنهتدي إلى ترشيد حركة التغيير وتسديد الوجهة، الصخب والضجيج والشحن المتبادل هذا يُسمَم الأجواء ويهيَج الأنفس لكن مع تغييب العقل، لا فائدة من الصياح والتوتر الدائم...نحتاج قليلا من التركيز وإنضاج العقل والتفكير العميق بعيدا عن الضغوط أو متخففين منها..والعمل تحت ضغط الوقت ووطأة الأزمة هو مقدمة شائعة للكارثة. الشعور القوي بالإلحاح، والحاجة إلى التصرف بغض النظر عن العواقب، غالبا ما يؤدي إلى انحراف عملية اتخاذ القرار برمتها.

والقرار والتفكير المدفوع بالضرورات الملحة والتوتر الدائم والاحتقان سيصرفنا عن تقدير العواقب والنظر إلى المآلات، فما "يجب علينا" القيام به طغى على أي تقييم حقيقي للمخاطر.وبهذا نصبح أسرى ومحبوسين في تصور أن هناك حاجة لعمل واحد، وينتهي التفكير هنا. وهذا النمط من "التفكير القائم على الإلزام" منتشر، والتخلي عن التركيز على المخاطر والعواقب هو الطريق المضمون للحكم السيئ، وربما الكارثة. الوقوع في هذا الفخ هو أحد أهم الدوافع لبذل أقصى ما في وسعنا لتجنب التسرع وسوء التقدير وهدر الطاقات والتحرك في الفراغ..

أعسر ولادة وأكبر معاناة أن تولد الفكرة، وغالبا ما يستغرق هذا وقتا، وربما أشق منها وأعسر أن تُحسن تطبيقها بعد تهذيبها...والعجلة لا تُسعد إلا من أراح عقله من واجب التعامل المرن مع الفكرة والتزامها..

قراءة 82 مرات آخر تعديل في الخميس, 17 نوفمبر 2022 14:04