الإثنين, 28 نوفمبر 2022 12:23

عالم أمي...وفاءٌ وتوثيق لزمن لن يعود (2) مميز

كتب بواسطة :

تواصل الوالدة شهادتها على أهم وأكثر فتراتها التاريخية معاناة ونشاطا ونضالا وحيوية، وتتحدث في هذا الجزء عن معاناتها وعذابات الحقبة الاستعمارية، قائلة: "ذات يوم أتى السجانون بصديقتي نسيمة حبلال (سكرتيرة عبان رمضان)، ورموها داخل زنزانة مقابلة للسرير الذي كنت أنام فيه وكان موجودا في الرواق، فطلب مني السجان مساعدة نسيمة في ارتداء حذائها. دخلت الزنزانة ووجدت نسيمة في حالة يرثى لها أنهكتها أيام ذوات العدد من التعذيب، فتظاهرنا بعدم معرفة بعضنا بعضا، وساعدتها للبس حذائها، وما في جسدها موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ أو أثار تعذيب...ولم ألتقها بعد ذلك اليوم حتى الاستقلال".

اعتُقلت سليمة بعد ذلك في معسكر باسي (Basset camp): ثكنة فرز في بني مسوس.. "التقيت ببعض المعارف هناك مثل سحنون حميدة، والدة الشهيد نصيرة نور الدين (نصيرة نونو). تمكن والداي أخيرًا بعد أكثر من شهرين من الاختفاء من تحديد مكاني عن طريق السجين رباعين أوزغان الذي أخبر زوجته فطومة أوزغان عني خلال إحدى الزيارات. تجملت بالصبر وقاومت بثبات معاناة السجن، وهذا بفضل الإيمان والصلاة والأنشطة المكثفة التي شغلنا بها وقتنا في هذا المعسكر الكئيب. كنت أقدم الإسعافات الأولية للجرحى والمرضى. كانت هناك فتيات في السجن معنا، وبعضهن لم تتجاوز الثانية عشرة ربيعا، أعلمهن الخياطة والقراءة والكتابة، أتذكر إحداهن، فتاة تبلغ من العمر 12 عامًا، كانت قد تظاهرتُ (تمويها) بالتعامل مع الفريق السيكولوجي العسكري بالمخيم. إذ كان ينظم المسؤولون عن المخيم بين الحين والآخر حملات دعائية نفسية مخصصة للمعتقلين. علمنا لاحقًا أنها ظلت وفيَة للثورة، واستشهدت بعد مغادرة المخيم مباشرة، فقد اختبأت عند مدخل مبنى من المظليين وانفجرت القنبلة التي كانت تحملها في يديها. وكان هناك أيضا عدد قليل من الفتيات المنحرفات اللائي قُبض عليهن في شبكات جبهة التحرير الوطني التي كنا نحاول ردَهن إلى الطريق القويم.

وبعد قرابة عامين، أُطلق سراح سليمة من المخيم ووضعت قيد الإقامة الجبرية. وتقول عن هذه الفترة، إن "والدي رفض بشكل قاطع أن أذهب وأوقع في مركز شرطة الحي كل يوم كما كان مطلوبا....كنت مريضة جدًا عند مغادرتي المخيم، فقدت 10كج، ربما أشبه بهيكل عظمي...اتصل رودوسي، أحد الوجهاء وصديق العائلة، بمحافظ الجزائر ليطلب منه الإذن حتى أتمكن من الذهاب إلى فرنسا لتلقي العلاج... ردَ المحافظ قائلاً: "لا يمكنني منحها تصريح خروج لكن يمكنني ترحيلها"، وهكذا وصلت إلى مرسيليا على متن سفينة بضائع". كانت هذه هي المرة الثانية التي أسافر فيها إلى الخارج، كانت الأولى قبل الثورة مع مجموعة من النساء من الحركة الوطنية PPA / MTLD، كنا نرافق ناشطات شابات بمن فيهن الشهيدة حسيبة بن بوعلي".

وتسترسل في الحديث عن سفرها الثاني هذا، موضحة: "هذه المرة كنت برفقة راهبة (مُنصرة من "الأخوات البيض" كما يُطلق عليها) صديقة السيدة شوليه. ثم ذهبنا إلى باريس بالقطار. قضيت عدة أيام في دير الراهبات. وبعدها غادرت إلى جنيف بالقطار، بمساعدة السيدة لوانشي آن ماري (أخت بييار شوليه) وزوجة صلاح لوانشي (الذي كان مسجونا في باريس)، وتحت العين الساهرة لمحامية شاركت في الرحلة. في جنيف، اتصلت بمسؤول في جبهة التحرير الوطني في سويسرا، رتب لي رحلتي إلى تونس عبر روما، حيث اعتنى بي الطيب بولحروف، ممثل جبهة التحرير الوطني في إيطاليا. ثم وصلت أخيرًا إلى تونس حيث كان بن يوسف وزيرًا للشؤون الاجتماعية في الحكومة المؤقتة".

قراءة 105 مرات آخر تعديل في الإثنين, 28 نوفمبر 2022 12:42