الأربعاء, 09 أكتوير 2019 12:52

فقهاء في صفوف المعارضة السياسية

كتب بواسطة :

السياسة والحكم من الشؤون العامة، فلا يُراعى فيها تخصص ولا تفرغ، ولا يُصرف عنها إلا من اختار الانكفاء وطلب السلامة والعافية، جبنًا وتهربًا، وأراح عقله، وأما العمل الحزبي فوضعه مختلف قليلًا،

فأصبح تدبيره يُناط بلجان وتخصصات ومتابعات يومية والتزامات وما إلى ذلك من صنوف العمل المؤسسي وينخرط في تفصيلاته المهتمون والمناضلون والأعضاء والمناصرون.

فالتفرغ لإدارة شؤون الحزب بما تقتضيه العملية السياسية، هذا عُرف في الأزمنة المتأخرة، وأما حكم الناس والحقوق العامة والحريات الأساسية، فهذا اشتغل به الفقهاء قبل الساسة منذ العصر الأول للسلطة السياسية الإسلامية. ولا يزال الفقهاء والعلماء مؤثرين، ويُعتمد عليهم في تثبيت أركان الحكم أو مناهضته. والموقف من قضية رأي عام، تأييدًا أو معارضة، يتجاوز التقسيمات والتصنيفات والتخصصات.

وما ميّز حضور الفقهاء والعلماء في التجربة الإسلامية السياسية انقسامهم إلى فريقين: أحدهما يستظل بالسلطة ويُسبغ عليها المشروعية ويمنحها التأييد والتزكية، والآخر يتوجس منها ولا يتردد في نقدها وربما ينتصر لخصومها ومعارضيها.

ومما قاله الشيخ محمد الخضر حسين في هذا السياق: "أهل العلم يرقبون كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة، فينقدونها بالنظر الخالص، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المُقنعة، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالم الإسلامي، بل هما واجبان في عنقه كواجب التعليم والإفتاء. وإذا قصّ علينا التاريخ أن فريقًا من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قصّ علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويتلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة، وترفع له بين الخلائق ذكرًا".

ولئن استفادت السلطة السياسية على مرّ التاريخ الإسلامي من تحالفها مع الفريق الأول، فإنها لقيت العنت من الفريق الثاني الذي اصطف مع المعارضين، ولم يتردد في مناوأتها. وكان التصادم واردًا بين الأمير الحاكم والفقيه المعارض.

وندّية رجل العلم لرجل السلطة كانت حاضرة، باستمرار في تاريخ المغرب والمشرق، ولأن “الرعيّة هم مادّة الملك”، فقد دأب الحاكم على توظيف المكانة المميزة التي يتمتع يها الفقيه والعالم بين الجمهور في دعم التوجهات السياسية للخطة التي يتبناها.

وفي الأزمنة المتأخرة، حرص الحكم على إبعاد العلماء عن تيار الحياة العامة وشؤون المسلمين ومصالحهم، وأشغلهم بمسائل تفصيلية في حياة الناس ليستفرد هو بالأمر والنهي بلا رقيب ولا حسيب.

وقد أبدى الفقيه حرصًا على الاحتفاظ بمسافة هيبة وتعفف وأنفة وحذر بينه وبين الحاكم، تصل أحيانًا إلى الفرار منه ومقاطعته ورفض التعامل معه، وربما يبرز هذا فيما كان معروفًا من العزوف عن تولي القضاء، حتى صارت عنوانًا بارزًا في سير فقهاء المالكية، مثلًا، وتقرر في أذهان كثير من الفقهاء أن من ولي القضاء فقد سهُل عليه دينه وألقى بيده إلى التهلكة، كما كتب القاضي المالكي ابن فرحون.

وربما يرجع السرّ في هذا الإعراض إلى أن تلبّس الفقيه والعالم بخطة الحكم والقصر والنظام وما ينجر عن ذلك من إغراق في الحسابات والتقديرات والمراعاة والمبالغة في الحذر والالتزام بالسقف وما هو مرسوم، يجرّده من مهمته الأساسية ويضعف قدرته على النقد والتقويم ويغريه بالتبرير والتماس المعاذير. فيصبح طالبًا بعد أن كان مطلوبًا، وذليلًا بمراعاتهم بعد أن كان عزيزًا بالإعراض عن السلاطين والأمراء والملوك والرؤساء والحكام عمومًا. وحتى إن كان يرجو إعزاز حق أو نصرة دين في أول الاحتكاك، إلا أن الأمور تتغير بالإكرام والإنعام والإطراء والإغراء أو الطمع فيهم. وبعضهم قد لا يعبّر رفضه عن موقف ضد سلطة الحكم، فقد يكون دافع الرفض نزعة ذاتية وتعفف.

والأمراء يستحقرون المتردد والمتودد إليهم، ولا يزالون يتوجسون من الفقيه والعالم حتى يسألهم في حوائجه أو يوقع على تعهدات واشتراطات يُلزم بها عقله ونشاطه ويقيد بها حركته وتنقله إلى عالم الألغاز والرموز والمعاريض والمحاذير والإغراق في التقديرات.

وممّا أُثر في هذا الشأن عن أحد أبرز فقهاء المالكية الإمام سحنون، قوله: "ما أقبح العالم يُؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيُسأل عنه، فيقال: هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شرّ من علماء بني إسرائيل".

وهذا ما دفع الفقيه المالكي أبو عبد الله بن مجاهد الإشبيلي إلى الإعراض عن مواصلة الطّلب في حلقة شيخه أبي بكر بن العربي، عاتبّا عليه أنه “يُدرَس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان. وكانوا يمتنعون عن إجابة دعوة الخلفاء لهم لحضور مجالسهم، وهنا يُروى أن يعقوب المنصور،  ثالث خلفاء الموحدين في بلاد المغرب، كان يرغب في ضم الفقيه أبي عبدالله بن الكتاني الفاسي إلى طلبة مجلسه، إلا أنه كان يرفض “فما قدر عليه البتَة”3.

وكثيرًا ما نقرأ: فأرسل إليه الأمير يطلبه، إلا أن الفقيه “انقبض عن لقائه” و”كتب إليه مستعفيًا ومعتذرًا”، وصرف له عطاء جزيلًا، إلا أنه “ردّه ولم يقبله”، و”امتنع عن ذلك وأبى”.

ومثل هذه المواقف الحازمة هيّأت لفتوى مالكية تقضي بردّ شهادة من بيده مال ورثه عن أسلاف “ما عُرفوا إلا بخدمة السلطان”. وكانت تُهمة التحريض والتأليب من بين التهم الأكثر رواجًا، كما عليه الحال اليوم، وقد اتخذها حكام وولاة وأمراء ذريعة إلى التنكيل بكل من يشتبهون في ولائه أو يتخوفون ويستعظمون نفوذه أو يتضايقون من انتقاده.

وهناك حالات وتجارب عديدة جسَدت رغبة الفقيه في تجاوز مهمة التقويم والمراقبة للسلطة الحاكمة إلى أهليّة القيادة والتوجيه لتيار الرفض والجماهير الغاضبة، وقُتل جمع من العلماء في التقلبات والمواجهات لم يرضوا بالانعزال والتفرج على ما يحدث، وقُتل منهم جمع في الحرب مع المغول ومع الصليبيين، وثاروا على الظلمة والمفسدين، وكانوا ضمير الأمة ولسانها وعقلها وقلدتها.

والفقهاء، على مرّ الأزمنة، إما مؤثرون فاعلون في مواجهة الاستبداد والاحتلال والطغيان، وإما مستسلمون لمن غلب وقهر نخرت قلوبهم وعقولهم الجبرية القديمة والمعاصرة، وإما منسحبون منكفئون، وربما كان يعني أمثالهم من المثقفين المفكر الراحل إدوارد سعيد بقوله: “لا شيء في نظري يستحق التوبيخ أكثر من تلك الطباع الذهنية للمثقف التي تغري بتجنب المخاطر، أي الابتعاد عن موقف صعب ومبدئي تدرك أنه صحيح لكنك تقرر ألا تتخذه”4.

وكلما ابتعد الفقهاء والعلماء عن ساحات التأثير والمعارك المصيرية، تمكن "أعداء الأمة وخصوم الحق وقادة الانحراف والتبعية أن يتحركوا في الفراغ العلمي والفكري والسلوكي الذي تصنعه أفكار الجبرية".

وجزء مما نعيشه اليوم من بُؤس وواقع مرير يتحمل مسؤوليته العلماء، فقد انحاز كثير منهم إلى جانب السلطة في مواجهة الأمة، فضيعوا وأضلوا ومرروا التسلط والاستبداد بأشكاله، والعجيب أن بعضهم يتذرع بمقولة تكشف تهافت منطقه: “الفقهاء أبعد الناس عن السياسة”، بينما هو خادم للحاكم لا يكاد يغادر سياساته، بل إنه جعل بطش السلطة ضمانة للاستقرار والأمان؟ وأضرّ هذا الموقف التبريري للتسلط والطغيان، باسم الدين، كثيرًا بالأمة، على مرّ الأزمنة، وأحدث تصدعات وهزات وتشوهات عميقة في الفكر والممارسة.

وهذا الوضع البئيس مهّدت له “الآداب السلطانية” بعد أن صبغتها بغاية سامية هي صيانة الدنيا وسياسة الدين به، وأضفت شرعية على الحكم القائم مهما كان نوعه، وعدّت المعارضة خروجا عن طاعة الله. وهنا تكمن خطورة الاستبداد في استغلال الدين لحمل الأمة على الطاعة في الوقت نفسه الذي يصادر فيه حقها في أن تختار بنفسها من يحكمها، ويتولى قيادتها جاعلًا المرجعية الوحيدة هي السلطان وخطابه القائم على تزييف الوعي.

وكان “علماء المعارضة” يشكلون، بتعبيرنا اليوم، “سلطة مُضادة”، إلى وقت قريب، يزيد تأثيرها وينقص مع التقلبات والظروف، وهو دورهم الأساس المُفترض اليوم، خصوصًا في زمن “تغوّل الدولة”، وهو تعبير عن تضخم هائل وتحول مهول في تكوين الدولة، حيث التهمت كل شيء أمامها وحاربت كل تمنّع داخل مؤسسات الحكم والمجتمع وفتكت بمحكوميها بوحشية وتفننت في صناعة الإرهاب والترويع وإخضاع الجميع، من دون استثناء لقوة بطشها واستنفارها الأمني الداخلي الدائم، وربما وصلت إلى “تأليه” كيانها وذاتها في تحدّ صارخ لأصل التوحيد، مع بعض التجميل والتحسين للضحك على العقول “الساذجة” للمؤثرين في تدبير شؤون المجتمع، ومنهم العلماء والفقهاء، أو يغرقهم في تفصيلات حياة الناس ويشغلهم في معارك جانبية ليتفرغ لإحكام السيطرة والتنكيل بكل “جيوب المقاومة”، حتى أصبح الإنسان مستباحًا بلا أي حماية أو حصانة، وأُبعد العلماء والفقهاء عن مراكز التأثير وصُرفوا عن الشأن السياسي العام، وما عاد لهم تأثير ولا قرار ولا سلطة مُضادة، وجُرَدوا من القدرة على الاعتراض على المنطق الجنوني للدولة وسحقها لقوى المجتمع التي قد تعترض خطها التدميري للمجتمع والإنسان.

ونشأ فراغ رهيب ملأه المخربون والمحطمون والمسوقون لبضاعة الغرب الكاسدة من “حاشية” الحاكم ومقربيه والمنتفعين من “تضخم الدولة وتغوّلها”، واحتلوا عقله، فأمدوه بالأفكار الشاذة المدمرة المُميتة واحتموا بقوته وبطشه.

وقد قاوم علماء وفقهاء طغيان الدولة، لكنهم جوبهوا من أقرانهم المنحازين للحكم الذين سوغوا للحاكم تغيبهم وإسكاتهم لسحق بقايا “سلطة الاعتراض”، وتمكن من هذا بصيغ وتعهدات أو التخلص من الرافض للخضوع بسجنه وعزله عن العالم الخارجي، ولا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه، لكن تحركه أقرب إلى مقاومة مبعثرة غاب عنها التكتل والفعالية. واكتفى بعض المعترضين من الفقهاء والعلماء، بعد شدائد وضغوط، بهامش أُتيح لهم لا يتجاوز حدود التوجيه العام والتلميح أحيانًا في نقد السياسات وغرقوا في لغة الرموز والإيحاءات.

وكل هذا وغيره من "أشكال التنفيس ورفع الملامة والحرج والإعذار" من الاختيارات المدروسة بعد طول تجارب وهي من التأويلات المرغوبة، تضع أصحابها في منزلة بين المنزلتين: لا هم إلى الحكام أقرب ولا هم إلى الاعتراض الصريح أميل، لكن مثل هذه التوفيقات تبدو أقرب إلى حلول لمشكلة خاصة أكثر ممّا تخدم قضية الأمة الكبرى.

ذلك أن أصل المعركة المريرة الطويلة هو مقاومة عنف الدولة ومنطقها التدميري، وليس هذا صراعًا مع “الحداثة المقدسة” كما يراها بعض دعاتها، فهذه انحازت إلى كل ما هو “دولة” وحسمت موقفها ابتداء وتحالفت مع الطغيان، كما هو موقف الغرب الرسمي، ولا هو من منازعة الأمر أهله، فقد تجاوزت الدولة بتضخمها الحاليّ كل معقول ومشروع، وإنما هو مقاومة لـ”تأليه” الدولة لذاتها وسلوكها التدميري وخروجها عن الأمة واختياراتها، وهنا يبرز حضور العلماء والفقهاء والمثقفين والناشطين المقاومين الرافضين لجنون الدولة وعتوّها.

قراءة 282 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 16 أكتوير 2019 07:43