الإثنين, 21 أكتوير 2019 21:30

"فاعل ديني جديد" يبشر به الأستاذ "جابي" ويدعو للترحيب به؟؟ مميز

كتب بواسطة :

ممَا كتبه الأستاذ "ناصر جابي" في مقاله المنشور في صحيفة "القدس العربي"، بعنوان "النسخة الجزائرية من اليمين الشعبوي المتطرف":

* "...في وقت توسعت فيها الخريطة الدينية الوطنية، التي دخلها لاعبون دينيون جدد لم تكن متعودة عليهم من خارج الإسلام، على غرار الكنيسة البروتستانتية، ومن داخل الإسلام كالتشيع والأحمدية وغيرها من الملل والنحل التي زادت في خوف الجزائريين على تجانسهم الديني والثقافي الذي تعودوا عليه واستكانوا له منذ قرون. خوف يعبر عن نفسه بأشكال متعددة استطاع تيار يميني متطرف وشعبوي حاضر لدى بعض النخب من أبناء الريف والمدينة الجزائرية الجدد، من التعبير عنه والدخول في حروب كلامية باسمه عبر الوسائط الاجتماعية تحديدا..."؟؟...

"تيار يميني متطرف شعبوي"؟؟ من هو؟ ساق كلام مُجملا مُبهما غامضا وهو الباحث الذي لا يحق له أن يطلق كلاما على عواهنه، بل لا بد من قيد وضبط ومفاهيم، حتى لا يفتح الباب واسعا للتأويل"..الخريطة الدينية التي توسعت لأن الدين المُنزل مُحارب ومُطارد، فحصل فراغ رهيب، ملأه بعض أصحاب الملل والنحل، ومنهم من تم اختراعه لوزع التشكيك والإيهام...ليس ثمة خريطة دينية في الجزائر فلسنا بلدا هجينا تتنازعه طوائف، وإنما هناك محاولات مشبوهة من جهات نافذة ومشبوهة لضرب التماسك الديني للمجتمع، وكل هذا مقصود ومعلوم..  ثم ما دلالة هذه العبارة: "خوف الجزائريين على تجانسهم الديني والثقافي الذي تعودوا عليه واستكانوا له منذ قرون..."، "تعودوا عليه"؟ و"استكانوا إليه"؟ التدين وعي وصحوة وعقل والتزام وقيم وأخلاق يُنشئ عليها المرء أو يهتدي إليها بعد غواية وانحراف، والمفترض أن الكاتب باحث في علم الاجتماع، ولا يرمي الكلام جُزافا، فاختياره لكلمتي "التعود" و"الاستكانة"، قد يعني أنه تمسك بالدين بلا وعي ولا عقل ولا يقظة، وإنما هو عادات وطقوس متوارثة، أو تدين فرضعته العادة والبيئة، والاستكانة تحمل معنى الركون والاستسلام والضعف والعجز، وهذا تلاعب بالمصطلحات لا يليق بباحث في علم الاجتماع.

المدارس الفقهية والعقدية والكتاب ومجالس العلم والمناظرات والحرص على التفقه والعلم وطلبه، كل هذا وغيره كان من مفاخر حضارتنا وأمتنا، رواية ودراية، بل إن الفقهاء وطلبة العلم حافظوا على تماسك المجتمع في أزمنة الانحطاط السياسي والحكم الجبري وقهر السلطان والحاكم..وأسس الفقهاء دولة في المغرب العربي (دولة المرابطين) وحموا الأندلس لقرون ومنعوا من تغول سلاطين وقادوا ثورات وخاضوا حروبا ضد هجمات الغزاة وفتحوا مدنا وأمصارا، فكان الفقه أهم مصادر التدين وملهميه والمؤسسين لتياره العام، فليس ثمة تعود ولا استكانة، وإنما شعوب متمسكة بدينها تهاب العلماء والفقهاء وتأوي إليهم في الملمَات والشدائد وقد كانوا حصن الأمة المنيع..

كان التدين ومؤسسة العلماء هم آخر ما تبقى من حصون الأمة بعد أن عاث الاستبداد وحكم التغلب والقهر في الأمة فسادا، هادنوا الغزاة بل وتحالفوا معهم ضد بعضهم بعضا، وأظهر المجتمع تماسكا وتلاحما على الرغم من شدة الاضطرابات السياسية وتقلباتها بفضل قوة حضور الفقهاء ومؤسسة العلماء المؤثرة في عموم المجتمع آنذاك، وكان هم قادة الرأي والتأثير في البلاد، في وقت كان فيه قصر الحاكم غارقا في الدسائس والمؤامرات.

وقد أطاحت حركة التحديث في العالم الإسلامي، منذ منتصف القرن التاسع عشر، بالمؤسسات التقليدية للمجتمع الإسلامي أو همشتها إلى حد كبير، بما في ذلك مؤسسة العلماء، حارسة الشريعة وقيم الدين والناطقة باسم المجتمع؛ وفتحت أبواب المجتمعات الإسلامية للتأثيرات الغربية المادية والفكرية.

* وكتب الأستاذ "جابي" يقول.."خوف يعبر عن نفسه بأشكال متعددة استطاع تيار يميني متطرف وشعبوي حاضر لدى بعض النخب من أبناء الريف والمدينة الجزائرية الجدد، من التعبير عنه والدخول في حروب كلامية باسمه عبر الوسائط الاجتماعية تحديدا.."؟؟ تيار يميني متطرف وشعبوي؟ أشبعنا الكاتب بالغموض وأتخمنا بلغة الرموز والألغاز، دلنا عليه، أو على الأقل حدد أوصافه لترفع عنه الجهالة والغموض، وهذه لغة إنشائية سطحية لا تليق بباحث اجتماع..

* يقول: "... وغلق الكنائس البروتسانتية - في منطقة القبائل تحديدا- التي اكتشفت السلطات العمومية فجأة أنها تعمل خارج القانون، رغم أنها حاضرة على الأرض كفاعل ديني جديد، غير معروف تاريخيا داخل الحقل الديني الوطني، منذ أكثر من عقد من الزمن، سوق دينية زادها مع الوقت العرض والطلب خارج الأطر الرسمية المعروفة.."..أنظر وتأمل في عبارته المخادعة المضللة: "فاعل ديني جديد"؟؟ الكنيسة البروتستنتية" فاعل ديني جديد في الجزائر؟، هذا لم يسبق لي أن قرأته لباحث غربي منصف متابع للشأن الثقافي الجزائري..البروتستنتية فاعل ديني جديد، ويضعها في مستوى الدين الفاعل المؤثر؟؟ وكأني أقرأ لـ"أركون" عندما كتب أن القرآن والكتب السابقة يجمعها أو تعاني من سياق واحد، ويضع القرآن مع الأناجـيل في مستوى من الثبوت والدراسة واحد، ويرى أهمية النقد والتجديد، وهذا كلام غاية في الجهل والشناعة لا يقول به مبتدئ.

إذن "البروتستنتية"، كما فهمت من سياق كلام "جابي" فاعل ديني له حضوره كما للإسلام حضور، وكأنهما في مستوى واحد، فلم نضيق بالفاعل الديني الطارئ الجديد؟؟؟ أو هكذا فهمت..كأنما لا قداسة لدين وقرآن، فهناك فاعل ديني آخر يزاحم بالكنائس والوافدين الجدد، فيلزمنا الترحيب بهم والتعايش معهم، وهم جزء من "الخريطة الدينية الجديدة"؟؟ إذن هي "خريطة دينية" عند الأستاذ "جابي"، رسمها أو توهمها أو تحمس لها، لكن ما مدلول هذه العبارة وماذا تستبطن "الخريطة الدينية"؟ وما مُراده منه؟؟ما أخشاه، وأرجو أن أكون مُخطئا فيه، أن الأستاذ "جابي" ربما تأثر في هذا بالمعتوه المُخرف "أركون"، وكلامه يناقض بعضها بعضا، إذ يرى "أركون" أن "الـشـريعة ضرورة اجتماعية أملتها ظروف المجتمع وحاجة الناس، وهي في مجموعها تراث إذا قابلت في الطريق ثقافة مجتمع آخر أو استجد شيء فإن هذا الجديد يدمج في هذا التراث.."، والفاعل الديني الجديد، عند "جابي"، البرتستانتية، تستحق الترحيب ولكن "التيار اليميني الشعبوي المتطرف" أفسد عليهم الخريطة الدينية الجديدة؟؟؟

ولا يبدو أن "الشريعة" عند الأستاذ "جابي" لها تأثير في هذه الخريطة أو كلمة الفصل، لم يأت على ذكرها، ابتداء، وهل يعقل أن "خريطة دينية" تتحرك ولا يكون للشريعة فيها قول أو موقف أو تدخل؟؟ إلا إذا كانت الشريعة عند "جابي" لا تختلف عن الشريعة عند أركون، لا أدري، لكن أرجو أن نسمع منه توضيحا لما كتبه.وهنا أتساءل أليس من حقنا حماية المجتمع، دينه وأخلاقه، كما نحمي حياته وعقله وعرضه وممتلكاته؟؟ مرة أخرى يبرز "أركون" في هذا السياق، فلا يرى "أركون" أن يكون للإسلام سلطة على المجتمع، لـذا فـلـيـس للإسلام أن يسن أي قانون في ذلك المجتمع...ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن الأستاذ "جابي" يراوغ ويلعب بالكلمات في غير معانيها حتى يصل إلى ما يريده، وهو المنحى الذي اختاره "أركون" في كثير من كتاباته، لكنك في الأخير لا تكاد تفهم شيئا مما يقوله إلا التخبط والتناقض.

* إذن "تيار يميني شعبوي متطرف" هو من يرفض الكنيسة البرتستانتية، وليس عموم الشعب، وهنا اسأل الأستاذ "جابي": ماذا تعرف عن صنيع "البروتسنتية" في ديار المسلمين؟؟..الثقافات متعددة بتعدد الملل، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال مُنتزع من الدين الذي تدين به، فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر لكن لا تتداخل تداخلا يفضي إلى الامتزاج البتَة، وهنا وجب التفريق بين الثقافة والعلم، دفعا لأيَ التباس، فالعلم مُشاع بين خلق الله، وأما الثقافة فركائزها: الإيمان والعمل والانتماء..

و"الاستشراق" الذي هو عقل الاستعمار وعينه دخل من بوابة الثقافة، ليتقصى ما يجري في ديار الإسلام، ويمهد الطريق لجهاز التنصير يمهد له العقول ويعبد له الطريق، في قصة طويلة ليس هذا مكانها، لكن لا بد من فهم هذه العلاقة القوية المتشابكة بين الاستشراق والتنصير (ويسمونها تدليسا التبشير)، وهذا الجهاز الخبيث "الاستشراق" المتخفَي في عباءة العلم والبحث قد اكتسب خبرة بدار الإسلام وأهلها واكتسب لنفسه أعوانا وعقولا وأسنا وباحثين وكتابا..ومهَد الطريق لحملات التنصير.

والبروتستنتية تجاوزت هذه المهمة لتكون غطاء لأعمال وأنشطة تجسسية، وتصبح وكرا وغطاء خفيا للاستخبارات الغربية، وخاصة الأمريكية والبريطانية منها، فكانت واجهة لما يتجاوز غسيل الدماغ إلى النفاذ إلى أسرار الدول والتجسس على دوائها الحساسة، فهل هذا ممَا يرحَب به، أما التشدق بحرية الدين والمعتقد، فهذا ما عاد ينطلي على أي عاقل بعد الذي رأيناه من أنشطة تخريبية وعمليات تجسسية في بلاد المسلمين تتدثر بالكنائس وتتستر بها...

فهم ينشرون ثقافة الكراهية في بلدانهم ليبعزلوا الجاليات المسلمة ويرهبوهم، ويطلقوا الألسنة والدعاية ضدهم، وعندما يتعلق الأمر ببلداننا تسمع المواعظ وأحاديث التسامح والتعايش، وهم يدركون، قبل غيرهم، أن الأقليات النصرانية واليهودية عرفت أزهى عصورها في بلداننا، خاصة في العهد العثماني، لكن كان وجودهم مضبوطا، واعترف بهذا مؤرخون بهود، ولما غادروا إلى أوروبا عاشوا في حارات و"غيتوهات" فزعيم مرعوبين، ثم فروا بحياتهم إلى العالم الجديد: أمريكا، وللحديث بقية فقد أطلت كثيرا... 

قراءة 292 مرات آخر تعديل في الإثنين, 21 أكتوير 2019 21:47