طباعة هذه الصفحة
الأحد, 03 نوفمبر 2019 09:40

"مزرعة الحيوان" أو الثوريّ ينقلب على نفسه

كتب بواسطة : بقلم: كمال الرياحي / روائي تونسي

ليس صحيحًا أنّ رواية "1984" هي رائعة جورج أورويل مادامت هناك رواية اسمها «نحن» التي كتبها الروسيّ يفغيني زامياتين سنة 1921 وأحدثت أثرًا في كتابة أورويل، تحديدًا في روايته الديستوبيّة «1984». بل رائعة أورويل الحقيقية هي "مزرعة الحيوان"، تلك النوفيلا القصيرة التي نشرت سنة 1945 ونقلت في ترجمات كثيرة إلى لغات العالم كانت العربية منها. تبدو هذه الرواية هي الأنسب في هذه اللحظة التونسية السياسيّة لأنها تتحدث عن ثورة فتية كتلك الثورة التي عاشتها تونس، وقد جاءت نقدًا للنظام الشمولي الشيوعي الستاليني الراديكالي وجهازه الأمني الذي أسس لإرهاب الدولة والقمع السياسي تحت غطاء الثورة، وهو ما تسبب في منعها في روسيا والبلدان الشيوعية. في هذه المقالة، سنركز على أمر آخر أكثر أهمية وهو شخصية الثوري وتقلباته.

كيف يمكن للثوري أن ينقلب على المبادئ التي جاء إلى السلطة من أجلها؟ الرواية كما هو معروف تروي قصة ثورة تقوم بها حيوانات مزرعة السيد جونز المستبد حيث تقرر تلك الحيوانات إنهاء حكم البشر عليها لما عانته منه، ويظهر السيد جونز رمزاً للدكتاتور الظالم الذي أذاق شعبه ويلات العذاب عبر الجلد والتجويع والسلب وسرقة الجهد... وقد قاد هذه الثورة مجموعة من الخنازير تمكّنت بفضل ذكائها من الإطاحة بالطاغية وطرده من المزرعة هو ومن معه لتصبح المزرعة أخيرًا بيد الحيوانات وتنهي الثورةُ نظامَ البشر الاستبدادي.

برز الخنزير أولد ميجور كأحد أبطال تلك الثورة وقادتها وهو خنزير عرف بـ "مظهر عاقل ومحب للخير، على الرغم من حقيقة أن أنيابه لم تقطع" وكان قد نادى جميع الحيوانات قبل الثورة إثر رؤيته لحلم فحضر الحمار بنجامين والتيس الأبيض مورييل وحصانا العربة بوكسر وكلوفر والدجاج والكلاب الثلاثة بلوبيل وجيسي وبنشر... والمهرة البيضاء الغبية والقطة مولي ولم يتخلف عن ذلك الموعد إلا الغراب موسى وأخذ يخطب فيهم خطبته الطويلة التحريضية للإطاحة بالمستبد جونز ومنها وصف وضعهم المزري في المزرعة وما يتعرضون له من مهانة وظلم من ذلك الإنسان القاسي. صاح فيهم: "الآن، أيها الرفاق، ما هي طبيعة حياتنا هذه؟ دعونا نواجهها: حياتنا بائسة، ومتعبة وقصيرة، وُلدنا لنعطي ما يكفي من الطعام الذي يبقي الروح في أجسادنا فقط، وهؤلاء المؤهلون منا يجبروننا على العمل إلى آخر ذرة في قوتنا، وفي اللحظة التي تنتهي فيها منفعتنا نذبح بوحشية شنيعة، ليس هناك حيوان في إنكلترا يعرف السعادة، أو الراحة بعد أن يبلغ سنة من عمره، ليس هناك حيوان حرّ في إنكلترا، حياة الحيوان بؤس وعبودية، تلك هي الحقيقة الصريحة.." لينتهي بعد ذلك التشخيص إلى استنتاج أن الإنسان هو عدوهم الأول: "لماذا نستمر في هذه الحالة البائسة؟ لأن البشر يسرقون كل إنتاج عملنا تقريباً.

ذلك الجواب لكل مشاكلنا، أيها الرفاق الذي يتلخص بكلمة واحدة. الإنسان، الإنسان هو عدونا الحقيقي والوحيد. أزيلوا الإنسان من المشهد وسيُمحى السبب الأصلي للجوع والعمل المرهق إلى الأبد." ليخلص ميجور الخطيب إلى ضرورة الثورة: "إذن، ما الذي يجب علينا أن نفعله؟ ولماذا؟ اعملوا في النهار والليل بالروح والجسد من أجل الإطاحة بالسلالة البشرية.

هذه رسالتي لكم، أيها الرفاق: الثورة." هذا الخطاب الطويل والحماسي القائم على الحجاج جعل الجميع يؤمن بضرورة الثورة. ووقعت الثورة فعلاً وتحولت مزرعة الطاغية الإنسان إلى مزرعة الحيوان. كان الأمر في بدايته رائعًا، فقد استعادت الحيوانات حريتها وحصصها في الطعام والراحة ولم يعد هناك من يجبرها على العمل الشاق ولا من يسلبها عشبها أو حليبها أو أولادها ولا سكاكين ترعبها بالذبح، فقد كانت لا تزال تحت تأثير الحكيم ميجور الذي أوصاهم قبل موته أنه "لا يجوز أبداً لأي حيوان أن يخون بني جنسه، ضعفاء أم أقوياء، أذكياء أم بسطاء، كلنا أخوة. لا يجوز أبداً لأي حيوان أن يقتل حيواناً آخر.  كل الحيوانات متساوية".

غنمت الحيوانات أيضاً التعليم فأخذوا يتعلمون القراءة والكتابة، وظل ذلك السلم الأهلي قائمًا حتى سلّمت الحيوانات قيادة المزرعة إلى الخنزير نابليون باعتباره الأذكى والأجدر بإدارة شؤون المزرعة مع الخنزير سنوبول. وكان الخنزير نابليون "خنزيراً ذا هيئة شرسة من سلالة الخنازير السود، الوحيد من سلالته في المزرعة، ولم يكن متحدثاً جيداً لكنه اشتهر بأنه يفعل ما يريد دون الاكتراث بالآخرين، أما سنوبول فكان أكثر حيوية من نابليون وأسرع وفي الخطابة أكثر إبداعاً لكنه لم يكن بعمق شخصية قرينه".

لكنَ خلافًا قد نشب بين نابليون وسنوبول اعتبره نابليون خيانة فأمر بتصفيته إلا أنه تمكّن من الفرار إلى المزرعة المجاورة ومنذ تلك اللحظة تحول نابليون إلى طاغية صغير تكبر نواياه الاستحواذية كل يوم حتى أعلن نفسه زعيماً ورفع عشيرته المتمثلة في الخنازير إلى حاشية تدير دواليب السلطة وتتحكم في مصائر بقية الحيوانات ويبدأ عصر الاستعباد الجديد عبر تفشي الفساد والبطش بالمعارضين أو أولئك المذكّرين بأصل الثورة وأهدافها التي قبرها الخنازير الذين استولوا على الحكم. ووجد نابليون في حاشيته من سانده للاستيلاء على الكرسي واستعادة حكم الطاغية كالخنزير البدين سكويلر الذي صاح في الحيوانات "الشجاعة لا تكفي، الولاء والطاعة هما الأهم".

غير أن سنوبول عاد لينتقم فخرّب الطاحونة وانتشرت أخبار محاولات اغتيال نابليون وأعدمت دجاجات اعترفت بالخيانة "واتخذت إجراءات جديدة للحفاظ على سلامة نابليون. أربعة كلاب كانت تحرس سريره ليلاً، واحد في كل زاوية، وتسلم خنزير صغير يدعى "نكآي" مهمة تذوق طعامه قبل أن يأكل، كي لا يسمم". وتتواصل أحداث الرواية تقص أخبار عودة الاستبداد وانتظار الظلم من جديد وأحداث الدسائس في مزرعة الحيوان، حتى ظهر الغراب موسى العاطل دائماً بعد سنين من الغياب يتحدث كالعادة عن جبل الحلوى المزعوم. وشيئا فشيئا، تعوّد الجميع على الوضع الجديد و"جاء زمن لم يعد أي حيوان فيه يتذكر أيام ما قبل الثورة ..."، ولكن الحيوانات ظلت تحلم بثورة جديدة، تلك التي بشّر بها الحكيم ميجور خاصة بعد أن حرف الخنزير نابليون الدستور. هذه هي قصة مزرعة الحيوان التي لم تُبق الثوري ثوريًا عندما اقترب من السلطة.

وكلما اقترب، إما أن يتصلّب أكثر إذا كان قويًا فينحرف نحو الاستبداد والعنف ويستغل المشروعية الثورية ليشرّع لاستبداده كما ستالين، أو أن يلين كل اللّين ويتحوّل إلى أسوأ من سابقه.

قراءة 157 مرات