الإثنين, 25 نوفمبر 2019 08:19

أكثر من خذل الحراك، من داخله، هم متفلسفو ومنظرو التغيير مميز

كتب بواسطة :

ظنَ كثيرون، من منتسبي الجماعات والتنظيمات، الإسلامية واليسارية واللبرالية، لعقود من الزمن، أنهم الأكثر فهما ودراية، وأكثر الناس أهلية للتغيير، فلما حانت ساعة الحقيقية، بحركنا المبارك، تواروا عن الأنظار وانطووا، وأحسنهم الذي شارك في مسيرات الحراك باحتشام، لكن من دون أن يظهر لع أثر في الضغط وإدارة المعركة ضد الاستبداد والطغيان..

وعي الحراك الشعبي تجاوز طينة التنظيمات والجماعات وما يُسمَى "النخبة" بمراحل، تقدم عليهم وعجزوا عن اللحاق به، فانقلب عليه بعضهم لأنه ما استطاع أمن يفرض وصايته على العقل الثوري للحراك، ولا أن يسطو عليه ويغير مساره، وهكذا هم دائما، أهل سطو وانقضاض ووصاية، والحراك كان عصيا عليهم..عقود من الزمن وهم يُنظرون ويتفلسفون ويتحدثون عن التغيير، فلما أُتيحت، أو بالأحرى، لمَا تحرك عموم الشعب، قعدوا وتفلسفوا وخذلوا، إلا قلة...

تعلمت كثيرا كثيرا من هذا الحراك المبارك، ما لم أتعلمه في غيره، التقيت وتعرفت إلى أناس لا انتماء لهم، لكنهم مدرسة في الوفاء والتحمل والنضال والإصرار والتصميم..همة ووعي وعقل..

ترسَخت لدي قناعة، اليوم، أن التنظيمات والجماعات الجامدة، بكل ألوانها وأطيافها وتوجهاتها، أصبحت عبئا على حركة التغيير والثورات الإصلاحية، من حيث تفكيرها وعقلها ورؤيتها للصراع..نُصرنا في هذا الحراك المبارك بحملة همَ التغيير، بأصحاب القضية، ممن تعرضوا للتهميش، لا أحد كان يأبه لهم، إذا حضروا لم يُعرفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا...ترى الواحد منهم جبلا أشما لا يكاد يهدأ، يلبي نداء الحراك أينما كان، مُدرك للحظة التاريخية الثورية الحاليَة..يصنع عقله وتفكيره وتغييره في الميدان، في تجرد يُحسد عليه، ناكرا لذاته، لا تسمع منه شكوى ولا عتاب..دائم الاستعداد، لا همَ له إلا نصرة الحراك..لا يُشغلك بمعاناته ولا تدري عن وضعه الاجتماعي...المهم أن يكون له أثر في المعركة الحاسمة ضد الاستبداد..

وتحمَس كثيرون من طينة التنظيمات والجماعات والحزبيات للأوهام وبرعوا في تزيينها وتسويقها، وظهر المثقف "الانتقائي"، يدين ويحشد ضد موقف سلطة في بلد ويتجاوز عنه في بلد آخر، أو يؤثر الصمت في أحسن الأحوال. وتجده يتحمس للوهم ويتبناه، فإذا ما عاكست الحقائق اندفاعه انصرف عنه وتوارى عقله.

فهناك صنم داخل عقله أو حضور "استثنائي" لسلطة ما أو طباع ذهنية استعلائية تفرض عليه أنماطا غريبة ومنفرة من التفكير، تشعر وكأنه محبوس بين جدرانها لم يتحرر من أغلالها، وهو يرى انحرافا لا يمكن لمثقف حرَ السكوت عنه، فضلا عن تبريره. وربما انصرف عن حقائق الصراع بتحليلات مؤسسة لأساطير وأوهام، وتحمس لها وانغلق عليها.

وربما برع بعض المثقفين والمنتسبين للتنظيمات الجامدة في حشد الحجج والدعاوى حتى صار لهم مذهب في التحليل والتفكير يميل أكثر إلى التناغم مع الوهم والتعايش مع الأمر الواقع، ويرون في غير هذا "دونكشوتية" حالمة وادعاء للفروسية في غير محلها.

الموقف العام المجمل الفضفاض هو المنطقة "الآمنة"، المرغوب فيها، في التحليل والرأي، وهذا مذهب كثير من المثقفين، لكن محاولة الغوص في الأعماق وتقصي الحقائق، وتجاوز الأوهام واستيعاب حقيقة الصراع والمعركة، فهذه مغامرة ومخاطرة، قلَ من يخوض غمارها، ولا بد منها، ولا تسلم فيها من السهام، لكن تصنع تحليلا ناضجا مستوعبا تتجاوز فيه الانطباع السطحي والتصور التقليدي.

قراءة 680 مرات آخر تعديل في الإثنين, 25 نوفمبر 2019 08:43