السبت, 30 نوفمبر 2019 16:08

عن جرثومة القومية التي صدَرتها لنا أوروبا، وأسَست لنا بها دولا مميز

كتب بواسطة :

ما لا يختلف عليه دارسو الدولة الحديثة أن بداياتها تعود إلى صلح وستفاليا في 1648، الذي وضع نهاية لحروب الثلاثين عاماً، عندما كانت أوروبا تعيش ذيول عصر النهضة وولادة الطبقات الوسطى، ولم تزل فريسة للصراعات الدينية الناجمة عن الانشقاق البروتستانتي، وصراعات الأمراء والملوك فيما بينهم حول نطاقات السيطرة والشرعية، وبين أغلبهم والمؤسسة الإمبراطورية، التي ورثت الإمبراطورية الرومانية المقدسة وإطارها الأوروبي الجمعي، حول السيادة. في "وستفاليا"، وضعت أسس فكرة الاستقلال السياسي، والتطابق بين حكم معين وحدود الكيان الذي يخضع لسيطرته.

التعريف الأشهر للدولة يعود إلى عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، والذي يصف الدولة بأنها المؤسسة الاجتماعية التي تحتكر العنف، ويُفهم هذا بمعنى شرعية احتكار العنف، ويستبطن معاني السيطرة والهيمنة.

ولكن المشكلة أن الدولة، مثل كل المفاهيم ذات الامتداد التاريخي، لا يمكن تعريفها في صورة جامعة. وبالرغم من ذلك، فثمة تسميات أكثر شيوعاً للدولة من غيرها، مثل الدولة القومية (أو الدولة - الأمة، وهي الترجمة الحرفية للأصل الأوروبي)، والدولة الحديثة. في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدت أوروبا ثورتين كبريين، الثورة الإنجليزية والثورة الفرنسية. دفعت الأولى باتجاه فكرة الاجتماع السياسي التسامحي وتوكيد الحقوق، وأنجزت قفزة ملموسة باتجاه انتقال الدولة إلى مؤسسة تعبر عن إرادة الأمة، لا تجلياً لحق الملك الإلهي - السلالي.

أما الثورة الفرنسية، التي كان لها أصداء كبيرة وواسعة النطاق، فقد أعلت من شأن فكرة المواطنة والمساواة أمام القانون كما لم يحدث من قبل في التاريخ الأوروبي، وأكدت الطابع القومي للدولة، باعتبارها تجلياً للتداخل بين مؤسسة الحكم والتنظيم الاجتماعي والأمة. ولأن الدولة الحديثة نشأت في حقبة الصعود القومي، الذي كان المسوغ الأبرز لوجود العدد الأكبر من الكيانات السياسية الحديثة، كان للفكرة القومية تأثير بارز في بنية الدولة وتوجهاتها وطبيعة قراراتها.

ولكن الدول تختلف في علاقتها بالفكرة القومية. هناك دول تتمتع بشعب متجانس إلى حد ما، وهو ما يساعد على تعزيز بنية الدولة الحديثة واستقرارها. ولكنَ دولاً كبريطانيا، مثلاً، التي هي نتاج المملكة المتحدة من عدد من الكتل العرقية، تتجنب عادة التركيز على الهوية القومية، وقد طورت بدلاً منها هوية بريطانية جامعة وأوسع نطاقاً من الهويات القومية. بيد أن جرثومة الهوية القومية سرعان ما انتشرت داخل أوروبا وخارجها، بقوة المدرسة والجامعة الحديثتين والتسارع الكبير في أدوات الاتصال والطباعة.

وقد جعل التزاوج بين الحركة القومية والتقدم العسكري من الحرب جحيماً واسع النطاق من الدمار والخراب والإبادة. وأصبحت الحروب مخاضا ضرورياً لولادة الدول، القومية - الحديثة، وتكاثرها، أو، كما يقول فاينر، أصبحت "الحرب الحاضنة الضرورية، والقوات المسلحة الأداة المميزة لنظام الدولة".

أخذت الأنظمة الإمبراطورية في الانحسار أو الانهيار، وفي انحسارها أو انهيارها، تركت خلفها كيانات سياسية جديدة، أو أفسحت المجال لتوسع إمبراطوريات منافسة". بخلاف الدولة التقليدية، تمارس الدولة الحديثة حكماً مركزياً، يقوم على الأصل الأكبر: أن الدولة مصدر الشرعية ومنها تصدر القوانين، وتؤسس عملية التقنين لسيطرة الدولة الشاملة على التعليم، الاقتصاد والتجارة والنقد، الاتصال، الإسكان، أنماط السلوك، العقاب، الملكية، الأمن، والأرض والحدود.

وتعتبر الدولة الحديثة في مهدها الأوروبي دولة علمانية بامتياز. وبالرغم من أنه من الصعب تحديد لحظة الانفصال الأولى بين الدولة والكنيسة، فالمتفق عليه أن الانشقاق البروتستانتي، وما ولده من حروب، يؤشر إلى بداية هذا الانفصال. بهذا المعنى، لم تمثل العلمانية في مطلعها تياراً مناهضاً للدين، بل توجهاً لتأميم الدين، أو تحريره من احتكار المؤسسة الكنسية.

ولكن العلمنة في النهاية كانت ظاهرة تاريخية، صنعتها جملة المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشتها أوروبا الحديثة، وأدت إلى تراجع دور طبقة ما يسمَى عندهم "رجال الدين"، وصعود فئات اجتماعية حديثة، وإلى انحسار تأثير الكنيسة، حتى في دول الأغلبية الكاثوليكية، لصالح مؤسسات غير دينية المنشأ؛ وإلى تقويض المؤسسات والعلاقات الاقتصادية التقليدية ونشوء علاقات جديدة، داخل المجتمعات وبينها وبين الخارج، مجردة من القيم الدينية؛ وإلى انهيار الرواية الكنسية للعالم، مفسحة المجال لروايات جديدة كلية.

وربما تصلح النقاط التالية، التي خلص إليها تشارلز تيللي، لتلخيص السمات الكلية للدولة الحديثة والشروط الاجتماعية المؤسسة لحداثتها:

1- تسيطر الدولة الحديثة على مساحة أرض متصلة ومحددة، وهي مصدر الشرعية الأعلى على هذه الأرض.

2- أنها دولة تحكم مركزيا، يتفوق مستوى مركزيتها على أي مستوى تمتعت به مؤسسة الدولة من قبل.

3- أنها مؤسسة متضخمة، وتتميز عن أية مؤسسة اجتماعية أخرى.

4- أنها تستطيع فرض ادعاء السيطرة باحتكار متزايد للقوة داخل مناطق تحكمها.

5- وتكفل هذه الدولة أنماط العدالة، حق التجمع، حرية الإعلام والنشر، حق التظلم، حماية الأقليات، الدفاع عن الحياة والملكية، مبدئياً وفي شكل عام، وليس بفعل نفوذ الفرد أو الصلات الخاصة.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وانطلاق حركة التحرر من الاستعمار، أصبحت الدولة القومية - الحديثة الأنموذج الشرعي الوحيد للدولة في العالم، وأسست الأمم المتحدة باعتبارها السند المرجعي لوجود الدولة وشرعيتها.

وقد تعززت هيمنة الدولة القومية - الحديثة على الساحة العالمية السياسية بانهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، وتحرر الكيانات السياسية القومية التي ضمها الكيان السوفياتي، وانقسام الكيانات "فوق القومية" القلقة التي احتمت بمظلة الكتلة الشرقية، مثل تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا.

قراءة 250 مرات آخر تعديل في السبت, 30 نوفمبر 2019 20:17