الأحد, 15 ديسمبر 2019 13:42

وهل طلب، اليوم، حكام التزوير والتغلب المبايعة لتبايعهم؟؟ مميز

كتب بواسطة :

وهل طلب، اليوم، حكام التزوير والتغلب المبايعة ليبايعهم الشيخ بن حنفية؟؟ ومن وصل إلى الحكم بانتخابات عسكرية، انتخابات الغصب والإكراه والحصار والقهر والترهيب، ليس لهم بيعة، فالبيعة وظيفة شرعية وهي من أحكام الإمامة، وقد قال الله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين"، وهذه الآية صريحة في أن كل ظالم لنفسه أو لغيره لا يكون إماما، وقوله تعالى: "لا ينال عهدي الظالمين"، بمعنى لا يمكن أن يكون حاكما بوجه من الوجوه..

ومحنتنا الكبرى تعود إلى أزمة الشرعية السياسية، والتضحية بهذه الشرعية، مثلما هو صنيع كثيرين من فقهاء السياسة الشرعية، يهدم الاجتماع السياسي، ويقوض القيم السياسية الإسلامية الكبرى...والأهم، من كل هذا، ليس ثمة "بيعة رضا" لا في بلادنا ولا في أي بلاد العرب، وإنما هو الإكراه والغصب والعسكرة...

وأرجو لمن يتحدث في مسائل السياسة الشرعية أن لا يتسرع في إسقاط المفاهيم الشرعية في الإمامة على واقعنا، فهذا من الافتئات على الشريعة، إذ إننا في زمن انحطاط مظلم لم يسبق له مثيل، ولا تصوره حتى فقهاء السياسة الشرعية في زمانهم.. وإنما الأصل اليوم أن ندفع دفعا نحو رد الأمر إلى أصله، وأصل الحكم رضا الناس والاختيار الحر..وما عدا ذلك تسويغ لسلطة الأمر الواقع وتكريس لعصور الانحطاط وتشويه للدين المنزل وتشريع للاستبداد والطغيان...

**

والرؤية السنية للإمامة أو الحاكم قائمة أساسا على الاختيار الحر، واجتماع السقيفة هي اللحظة التي أثير فيها الجدل حول الإمامة. وما يغفل عنه كثير ممن يتحدثون عن مسائل السياسة الشرعية، أن المجتمع هو الأساس، وما الدولة إلا انعكاس لتطلعات هذا المجتمع ومطالبه، فليس الحاكم إلا خادما له..

وتضخم شأن "الإمام" أو الحاكم إنما تأثرا بالموروث الثقافي للفرس (يشددون على مركزية السلطان الحاكم وتركيز السلطة السياسية بيده)..صنعنا من الحاكم صنما عصيا على الكسر وأضفينا عليها هالة من القداسة، وهذا صناعة تاريخية ولا علاقة له بالجانب الشرعي، فالحكم كباقي العقود الأصل فيه الرضا، والعبرة بالقيم المهيمنة على السلطة، ومن أهمها الشورى والعدل، واختيار المجتمع. أما الاهتمام بالجوانب الشكلية وإهدار القيم الكبرى المؤسسة لنظرية الحكم، فهذا ما كرس أزمنة التغلب والقهر...

فالمشروعية السياسية لا علاقة لها بنص ديني وإنما بالاختيار الحر ورضا الناس..، وما كتب في هذا لم يكن إلا تبريرا وتسويغا لواقع مفروض ودرءا لتفكك الدول الكبرى، وليس وضعنا هذا اليوم. فقهاء السياسة الشرعية من القاضي أبي يوسف إلى الماوردي إلى الجويني الثابت عندهم إيمانهم بمركزية الدولة، وما كتبوه لم يجدوا له أثرا في واقعهم، بل كان تنظيرا مجردا أقرب إلى الأنموذج والمتخيل..وانتقلوا من مركزية الدولة إلى مركزية الحاكم والإمام ومنصبه، وخاصة عند الجويني، وحفظ بقائه واستمرار حكمه، وتضاءل أمام هذا التضخم الحديث عن الشرعية السياسية..

وانتقل خطاب السياسة الشرعية مع ابن تيمية من البناء المؤسسي للدولة إلى إصلاح أحوال الراعي والرعية وصد الخطر الخارجي..فكل كتاباتهم إنما تعبر عن تجربة غير مسبوقة في التفتت والتصدع، وعلى هذا كان ضغط الواقع المرير مؤثرا في تفكيرهم وتركيزهم واهتمامهم، وأهملوا بهذا البحث عن حل لمعضلة الشرعية السياسية، واكتفوا بإقرار التغلب اضطرارا..

وجميع المناسبات التي ذُكرت فيها البيعة في القرآن تشير إلى التعاقد...وهي أساس العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم، وما دل عليها لفظ البيعة، والبيعة، بما يدل عليها سياقها القرآني وتجربة الرسول، آلية إجرائية للمشروعية السياسية، تستند إلى مبدأ التعاقد الذي جعل طرفي العلاقة أحرارا في القبول والرفض مبدئيا..

ومصدر شرعية الحاكم، على هذا، تعاقد حر، لا غصب فيه ولا إكراه ولا عسكرة ولا تزوير..وهذا التعاقد الحر هو أصل الشرعية السياسية.  والوقائع التاريخية تؤكد أن إسناد السلطة ابتداء لا يكون إلا ببيعة اختيارية من غالب الناس، أي باختيار حر من الغالبية، وإلا كان الحكم غصبا وقهرا وتسلطا، وهو ما نراه اليوم، بلا شرعية سياسية، كأنما فرضوه فرضا على الشعب بالترهيب الأمني وغلبة القوة.

قراءة 304 مرات آخر تعديل في الأحد, 15 ديسمبر 2019 13:48