الأربعاء, 22 جانفي 2020 18:33

اختراع الاستعمار للتقسيمات العرقية..جريمة المستشرق "دوسلان" في تحويل مسلمي الجزائر إلى "عرقين مختلفين": العرب والبربر مميز

كتب بواسطة :

"جريمة" المستشرق "دوسلان" (مرفق صورته) في الترجمة المحرفة لمقدمة ابن خلدون، وقدم، بهذا، للاستعمار الفرنسية خدمة عظيمة في سياسة التفريق على أساس "العرق":كثير من المفاهيم والمصطلحات المُتداولة، حاليا، من اختراع الاستعمار والاستشراق، ولعل من أهمها "العرق"، وهي الورقة الحارقة التي أشعلوا بها بلادا مستهدفة..

وهنا، نستحضر ترجمة المستشرق "وليام ماك كوكن دوسلان (1801-1878)، ذي الأصل الإيرلندي، والذي تتلمذ في باريس، لكتاب العبر للعلامة ابن خلدون، كانت، كما يقول النقاد، نصا جديدا فيه شيء من الشبه بالكتاب الأصلي، نسخة مزيدة، محشوة بالتصورات الحديثة، كالعِرق، وهي مفاهيم أجنبية على ابن خلدون. وقد شوهت الترجمة مصطلحات أساسية.

في عام 1844، كان "وليام ماك كوكن دوسلان" (1801-1878)، ذي الأصل الإيرلندي من بلفاست، والذي تتلمذ في باريس، قد بدأ عمله في تحرير وترجمة ابن خلدون، وفي تلك الفترة تعرف عليه المستشرقون الفرنسيون. بدأ دوسلان في تحرير "الرحلة"، وهو كتاب السيرة الذاتية لابن خلدون. ثم أصبح بعدها بعامين، المترجم الأول للجيش الفرنسي لإفريقيا في الجزائر، وشرع في تحرير مختارات تاريخية حول شمال إفريقيا (المغرب العربي) من كتاب العبر.

على سبيل المثال، قام ابن خلدون باستخدام مفهوم "الجيل" للإشارة إلى الأعضاء البارزين في جماعة تربط بين أفرادها صلة قربى. أما المستشرق "دوسلان"، فلم يعتقد أن هذا هو المعنى المُراد بالكلمة، فقام بترجمة "جيل" إلى "عرق". ولأن الأجيال عند ابن خلدون ترتبط بالحضارة أو بنوع من التنظيم الاجتماعي، وجد "دوسلان" نفسه يشير إلى "أعراق" بدوية وأخرى حضرية، كما قام المستشرق "دوسلان" بترجمة مصطلحات مثل "أمّة" إلى "عرق"، كما أشار إلى ذلك، الباحث رمزي الرويغي، الأستاذ المشارك في دراسات الشرق الأوسط بجامعة جنوب كاليفورنيا، ومؤلف كتاب "اختراع البربر: التاريخ والأيديولوجيا في المغرب".

وكان الإسلام، لا العرق، هو الأساس الذي قام عليه التجريد الرسمي لحقوق ما أسموه "السكان الأصليين"، لكن نسخة المستشرق المترجم "دوسلان" عن ابن خلدون قدَمت، مرة أخرى، خدمة بالغة الأهمية. فمن خلال تقديم العديد من المظاهر والحقائق على أنها مسائل عرقية، وإدراج "العرق" مرارا وتكرارا مكوّنا رئيسيا في نسيج الجزائر وتاريخها، ساعدت ترجمة "دوسلان" الفرنسيين على تحويل مسلمي الجزائر إلى عرقين لشعبين مختلفين: العرب والبربر....وكان هذا مقدمة لـ"عرقنة" الإسلام في بلاد المغرب..وترجمة المستشرق "دوسلان" المُحرَفة لمقدمة ابن خلدون بنى عليها الاستعمار الفرنسي خريطته وسياساته.

إذ كان العرق يشغل حيزا كبيرا من تفكير دوسلان، وفقا للباحث المغربي "رمزي الرويغي"، وأقحم لفظة "العرق" حتى في الأماكن التي لم يوجد فيها ذكر لمقابل عربي في المؤلَّف الأصل. فأضحى ملوك زناتة عند ابن خلدون "ملوك العرقِ الزناتي" عند "دوسلان". ووُرد في فقرة أخرى، أن نهر السنغال يفصل العرق البربري عن العرق الأسود، لكن في أصل ابن خلدون وُرد أنه يفصل بين بلاد البربر والسودان.

لقد أدت ترجمة "دوسلان" إلى تشويه كامل لأفكار ابن خلدون، إلى درجة أن تصحيحها ضرب من ضروب المستحيل. وبينما لجأ ابن خلدون إلى الأنساب في سد الثغرات المعرفية بشأن سلالات حاكمة معينة، لجأ "دوسلان" مرة أخرى إلى الأعراق.

ومهم الإشارة، في هذا السياق، إلى أن تعميم استخدام "دوسلان" لمفهوم العرق ساعد الجنرالات والإثنوغرافيين والأطباء في تفادي التعامل مع الحقائق الأكثر تركيبا وجوهرية للجزائر وتاريخها، ومن أجل هذه الغاية، تم اعتبار ابن خلدون "المُحرَف" المصدر الأكثر موثوقية في التعامل مع "السكان الأصليين"، كما أسمتهم القوانين الكولونيالية الجديدة، في إرساء نظام جديد من الحكم الكولونيالي.

وعلى هذا، "عرقن" (من العرق) الاستعمار الفرنسي الإسلام و"أدلجه" (من الإيديولوجية) بتخريب وتحريف من مستشرقيه..ومهم جدا استيعاب صنيع الاستشراق في بلادنا لأنه مهَد للاستعمار، بل كان دليله وهاديه، واعتمدت عليه السياسات الاستعمارية في التفريق والتقسيم والتفكيك وإثارة جدل الهوية في بلاد المغرب العربي...

وكثير من التقسيمات "العرقية" من اختراع الاستعمار والاستشراق، فإذا كان الاستعمار سياسات وحروبا، فالاستشراق عقله ونمط تفكيره....والمستشرقون، كما يقول العملاق "محمود شاكر" (أبو فهر): "هم أهم وأعظم طبقة تمخضت عنها اليقظة الأوروبية، لأنهم جند المسيحية الشمالية..وبفضل ملاحظاتهم التي جمعوها من السياحة في دار الإسلام ومن الكتب، وبذلوها لملوك المسيحية الشمالية، نشأت طبقة الساسة (المستعمرين)..".

قراءة 290 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 22 جانفي 2020 18:52