السبت, 25 جانفي 2020 16:48

استدراك على بعض ما كتبه الباحث "هواري عدي" في مؤلفه الأخير عمَا سمَاه "الإسلامي السياسي" مميز

كتب بواسطة :

قرأت ما كتبه الأستاذ الباحث نوري دريس" عن كتاب "القومية العربية الراديكالية والإسلام السياسي: إفرازان متناقضان للحداثة"..لمؤلفه الباحث الاجتماعي "لهواري عدي"، وثمة ما يستحق الاهتمام والنظر فيما كتبه، لكن ما استوقفني أكثر كلامه عما أسماه "الإسلام السياسي"..وللأسف، لا يخلو طرحه من تشوهات حشو وتكديس للمصطلحات ورصف للكلمات، وانسياق من غير قراءة مُلمَة مستوعبة غير منحازة...وسأسجل بعض الملاحظات:

* في مراجعته لكتاب الباحث الاجتماعي "هواري عدي"، بعنوان: "القومية العربية الراديكالية والإسلام السياسي: إفرازان متناقضان للحداثة"، كتب الأستاذ "نوري دريس" في عرضه الذي نشرته مجلة "عُمران": (سمحت هذه المقاربة التاريخية للإسلاموية عبر مفهوم التمثلات الثقافية، بدلا من المقاربات الجوهرانية والثقافوية والمقارناتية، لعدي أن يكون نقديا تجاه المعرفة الغربية المنتجة حول الإسلام السياسي من جهة، وتجاه الإيديولوجيا الإسلاموية من جهة أخرى، كما جعلته متفائًلا بإمكانية تجاوز مرحلة الإسلاموية إلى ما بعدها، معتقدا أنها تحمل عناصر تجاوزها في داخلها، سواء من خلال التناقضات التي بنيت عليها، أو من خلال طابعها اليوتوبي)..ما هذا؟؟ لم كل هذا الحشو؟

* الأستاذ "لهواري عدي" باحث اجتماعي بارز وأستاذ في جامعة فرنسية، معروف، يسوق كلاما مبهما وغامضا، على وفق لقراءة الكاتب "نوري دريس"، وكأنه مسلمات: ماذا يعني "الإسلام السياسي"؟ ما مدلول "الإسلاموية"؟؟ ماذا تعني "مرحلة الإسلاموية"؟؟ "تحمل عناصر تجاوزها في داخلها"؟ كيف؟ "من خلال التناقضات التي بنيت عليها"؟ ما هذه التناقضات؟؟ "المقاربات الجوهرانية والثقافوية والمقارناتية"؟ أي لغة هذه؟؟

باختصار، ومن دون هذا التكديس والحشو والتكلف بلا معنى: الإسلاميون هم جماعات بدأت تهتم بإعادة الأمة إلى هويتها واستعادة الذات الإسلامية في مواجهة الاحتلال الغربي، فمع نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 كان هجوم شديد على الدولة العثمانية، ثم جاء تفتيت الخلافة وإنهائها، فأصبح الخطاب بمحاولة البعث في العالم العربي والعالم الإسلامي..وهذا البعث أخذ صيغة الإسلام والدفاع عن الذات، لذلك مثلاً نجد أن بعض الغربيين تحدثوا في نهاية الحرب العالمية الثانية وما قبلها عن خطاب الاستقلال في الهند وفي الصين، فكان خطاب الاستقلال في الهند والصين هو العودة إلى الأصول التي كانت قبل عبادة الشمس البوذية الكونفوشية الخ، حتى يواجه هذا الغزو الغربي الذي يرى أن المسيحية أو أن الغرب يعدم أي ثقافة، في العالم الإسلامي جاءت الروح الإسلامية في مقابل المواجهة التي اعتبرها مواجهة دينية سواء كان الاحتلال البريطاني أو الاحتلال الفرنسي..

* كتب الأستاذ "دريس" في قراءته للكتاب: (ليس الاستعراض التاريخي لنشأة الإسلاموية وتطورها هو الذي يهم أكثر في هذا الكتاب، ولكن المقاربة المنهجية والنظرية للكاتب، والتي سمحت له بأن يعيد صياغة مفهوم الإسلاموية بشكل ديناميكي يحررها من الجوهرانية والثقافوية التي تسجن المجتمعات المسلمة في الدوغما الدينية، وتؤسس مواقف أكاديمية من الإسلاموية، تتماهى مع المواقف السياسيةّ للفاعلين التاريخيين). "يعيد صياغة مفهوم الإسلاموية بشكل ديناميكي يحررها من الجوهرانية والثقافوية التي تسجن المجتمعات المسلمة في الدوغما الدينية"؟؟؟ ما الإسلاموية؟ "يحررها من الجوهرانية والثقافوية..." ما هذا؟ وماذا يعني من التحرير من "الجوهرانية الثقافوية"؟؟؟ لغة رموز، وحشد كلمات مبهمة ورصها بلا معنى مُحدَد..

* كتب الباحث "لهواري عدي" في كتابه: "الإسلاموية لا هي تعبير عن عودة الديني، ولا الابتعاد عنه، إنها حركة سوسيوثقافية وأيديولوجية وسياسية ظهرت بسبب تهديم المجتمعات المسلمة على إثر انخراطها واحتكاكها بالحداثة التي تتعرض لتأثيراتها ولا تتحكم في ديناميكيتها"...

وماذا عن حركات الإحياء والنهوض قبل الحداثة؟؟ ثم إشكالية موقع الدولة في الإسلام ليست إشكالية في ثقافة المسلمين، بل إشكالية غربية وافدة من ثقافات مجتمعات عاشت بعيد عن المسيحية، ثم دخلت المسيحية، ثم أصبح هناك يعني اشتباك ما بين الدين وما بين الدنيا، في ثقافة المسلمين الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة إلى جانب أنه كان نبي ثم الخلفاء الراشدون انسجموا في قضية دولة ثم المجتمع الإسلامي كان مقر وجود دولة، فقضية دين ودولة لم تكن صراعا، ولذلك عبارة "الإسلام السياسي" ليست صحيحة في مجتمع المسلمين، لأن الإسلام كان فيه سياسة من أول يوم قامت فيه دولته، لكن مقارنة مع المسيحية مثلا، فالمسيحية لم تدخل ولم تتلبس بقضية دولة إلا في القرن الرابع من وجودها، ومعنى هذا أن الظاهرة أو الإشكالية هي إشكالية مجتمعات أخرى وليست إشكالية مجتمع إسلامي..

* كتب قارئ الكتاب الأستاذ "نوري دريس": "من الطبيعي إذا، أن يصوغ محمد عبده أفكاره النهضوية ضمن الحدود التي يرسمها له التراث الديني المهيمن رغم محاولته الالتفاف على بعض جوانبه. إن تردد عبده في موضوع العلمنة، والطابع التلفيقي لفكره (من خلال قبول الغرب تقنيا ورفضه سياسيا وفكريا، هو الذي سوف يعطي الميلاد للإسلاموية الراديكالية لاحقا.."..

ماذا يعني هذا؟ هل لو حسن عبده موقفه من العلمانية، متبنيا بها، كان سيجنب المنطقة بروز التوجهات الراديكالية؟؟ هل هذا ما يعنيه، "الراديكالية" رد فعل على العلمانية المتوحشة المتسلطة والاستعمار الهمجي والاستبداد الناهب الناهش...ثم أين "الطابع التلفيقي" في أخذ جانب من الغرب ورفض جوانب أخرى؟؟ وماذا أبقى للأمة من خصائص لو أنها اقتبست من الغرب كل بضاعته؟ ثم من قال إن محمد عبده له كل هذا الأثر والتأثير في الفكري والتوجهات الإسلامية؟؟ ثم ما هي العلمانية التي أُقحمت إقحاما في عالمنا الإسلامي؟ وملا علاقتها بالسياق التاريخي الغربي الكنسي الذي نشأت وترعرعت فيه؟؟

* كتب قارئ الكتاب الأستاذ نوري دريس": "تقترح (الإسلاموية) اقتحام الحقل السياسي ليقود الدولة رجال مؤمنون يخافون الله ويحكمون بالعدل وبما أنزل في القرآن. يكفي استبدال رجال السلطة العلمانيين برجال مؤمنين لكي يتحقق العدل والمساواة، ويزول الفقر والحرمان. هذا الخطاب هو الذي يقف وراء شعبية الإسلاميين.."، هذا كان فيما مضى، في عقود منصرمة، لكن اليوم، والكتاب أُلَف حديثا، وتطور الفكر الإسلامي السياسي وتجارب الإسلاميين، وما عاد هذا الطرح يصلح لأن يستند إليه في سوق الأفكار والحجج، وإنما يورد في سياق إرث تاريخي وخطاب مرتبط بوعي محدود في زمان محدود. وكلن على المرلف أو قارئه أن يشير إلى هذا التطور، لأن كتابات الباحثين الغربيين المنصفين لا تكاد تخلو من إشادة واعتراف بهذا التطور الفكري الجريء، تنظيرا وممارسة..

* ثم يعود المؤلف إلى تعريف "الإسلاموية"، ويقول، على لسان قارئ الكتاب، "الإسلاموية هي مزيج من الطموحات الحداثية والأوهام الألفية التي صنعتها ظروف تاريخية يسودها الحرمان والتخلف والفقر. إنها ليست حركة دينية، بل حركة سياسية تستعمل الدين موردا سياسيا ليس للوصول إلى السلطة فقط، بل استخدام نظامه المعياري والأخلاقي لتسيير الحقل السياسي واستدراك التأخر والفشل. وكونها حركة سياسية تريد الوصول إلى السلطة، فهي مدعوة إلى تجاوز أوهامها اليوتوبية ونزعتها نحو العنف والتشدد"..

وهل العنف والتشدد هو الغالب المسيطر على الحركات الإسلامية السياسية؟؟ هذا تعميم فيه تدليس جلي وقفز على الحقائق.. ثم ما الإشكال في تبني الخيار الديمقراطي في إدارة الحكم وحسم الصراعات السياسية بمرحلة إسلامية، أخلاقا وقيما؟؟ وما هي هذه "الأوهام اليوتيوبية"، لأن التعميم هنا يضر بالكتاب وفكرته، من الجانب الفكري والتاريخي، ويهزه هزا..ثم مهم جدا أن يفرق الكاتب بين الممارسة وأخطائها وتشوهاتها وبين الأصول الفكرية المرجوع إليها، وهي ما يُتحاكم إليها الناس في المجتمعات المسلمة من نظم ومعاملات وقيم سلوك وأخلاق، وهي ما يربط بين نظرة الإنسان للكون والأساس النظري لمعارفه الدنيوية والكونية.

والخبرة الغربية سلبية في هذا الأمر، وهي متأثرة بطبيعة المسيحية.. فجزء من المسيحية أنها ذات قرار، ومن ثم سلطة دينية يمكن أن تتمدد، ومن ثم ينبغي تحجيمها.. وهذا غير موجود في الإسلام، فالإسلام قائم على فكرة الاجتهاد والقول بالدليل، وليس هناك قرار ديني ..

وحتى الفتوى هي اجتهاد وليست قرارا دينيا.ثم، أيضا، ليس بإمكانك أن تجد داخل المجتمع الإسلامي عمل سياسي أو عمل اجتماعي بعيد عن الثقافة القوية العميقة داخل مجتمعاتنا، مجتمعاتنا ثقافتها إسلامية، فبالتالي بأن يهتموا بهذه الشعارات وأن يقدموا أنفسهم تحت هذه الشعارات شيء طبيعي، ويجب أن لا نستغرب هذا الأمر، ولا يمكن القول إنه سينتهي في لحظة من اللحظات، إذ سيستمر غالبا.

ثم، ثالثا، الشرعية والقبول الذي حققه الأتراك، مثلا، لم يحققوه من خلال شعار إسلامي أو شعار لا إسلامي، وإنما حققوه من خلال برامج عملية واقتصادية ونسبة نمو، وهذا النجاح يجعل الناس يقبلون عليهم إذا حقق الإسلاميون هذا النجاح في الوطن العربي سيجدون شعوبهم تؤيدهم حتى المجموعات غير الإسلامية والتي ربما كانت تعاديهم ستقبل بهم، لكن لو لم ينجحوا، فكلمة الإسلام والشعارات الإسلامية والإسلام هو الحل لن يكون منقذاً لهم من خسارة الأصوات وخروجهم من الحكومات..

ورابعا، من أهم أسباب تحبيذ الأنظمة الحاكمة للعلمانية، أنها تريد إرادة مطلقة في صياغة كل شيء، وهي تعلم أنها إذا أعلنت تقيدها بالإسلام سيقيدها ويحدَ من إرادتها المطلقة.. وهو سيقيدها شعبيا لأن من حق كل إنسان أن يجتهد ويراجع اجتهاد الدولة من دون أن تستطيع الدولة احتكار القرار الديني أو سلبه من الناس بعكس المسيحية.. وهذا سبب لجوء الحكام للعلمانية، لأن بها لا يصبح النص الشرعي مصدر الحسن والقبح ولا مصدر الشرعية في التعامل، بل يتحدد الحسن والقبح وتنحدر الشرعية في التعامل حسب قرار الحاكم الذي يفرضه علي الجماهير..

* كتب قارئ الكتاب: "تركيا بالنسبة إليه (أي للمؤلف لهواري عدي) مثال ناضج عما بعد الإسلاموية وحركة النهضة قطعت شوطا في ذلك.."..

كلا المثالين يعاكس مفهوم المؤلف لـ"الإسلاموية"، كما سماها، لأن تركيا في العهد الأردوغاني شهدت عودة قوية إلى هويتها وانتماءها الحضاري، وإعادة إحياء ما طمسه وحظره كمال أتاتورك باني جمهوريتها العلمانية المتطرفة، ونهضة تونس لا تختلف كثير عن تجربة العدالة والتنمية التركي في الجمع بين الخيار الديمقراطي والتمسك بالانتماء الحضاري...

ومظاهر الصحوة الإسلامية تجتاح البلاد من اللباس إلى المساجد إلى السياسة والإعلام وتعليم العربية وتشجيع المعاهد الدينية، خاصة في تركيا..ثم التطرف القومي الكمالي الأتاتوركي قد كسره إلى حد ما التوجه الإسلامي ولو إلى حين.. وفي التجربة التركية في عهد العدالة والتنمية ذي الميول الإسلامية، ثمة عامل آخر في نجاح التجربة، إلى حد ما، وهو صعود الوعي في تركيا بحقائق الاقتصاد والسياسية والدين والتاريخ..

ثم هناك خلط واضح في تصور الباحث "لهواري هدي"، بين "الأسلمة" (مصطلح انتشر في الأزمنة المتأخرة تعبيرا عن محاولة إخضاع السياسة والحكم والبلد لأحكام الشريعة بقدر من التعسف والتنطع) وبين المرجعية الإسلامية للبلاد المسلمة..فالأصل أن على الدولة حين تضع سياستها أن تراعي كون مرجعيتها وهويتها الحضارية إسلامية، وأن يكون النظام العام الذي تنص عليه القوانين مشمولاً بقيم الإسلام وما تتوافق عليه الجماعة طبقًا لهذه القيم، فتُراعى في تدبير مصالح الناس أخذًا بالاعتبار أن الهوية الحضارية إسلامية، إذ لا ينفصل دين البلد عن مرجعيته التي تحدد هويته.

وهذا التوتر والرفض من ناحية العلمانيين سببه أنهم يصدرون عن مرجعية خاطئة تري أن هوية المجتمع المصري ليست في الإسلام وأنه لا يجوز أن يخضع للمرجعية الإسلامية.. وهذا التيار ينطلق من مسلمة وافدة من الخارج تقول: إن الدين لا صلة له بالسياسة ثم يحاكم عليها المجتمع وتاريخه..ولا يُسلَم لهم بهذه المسلمة، بل ولا تعدو أن دعوى غربية لا تصمد في مجتمعنا.

وليس هناك، حقيقة، من دولة تقول أنها خالصة من دون دين، فليس بالإمكان هذا الأمر. وليس في ثقافتنا أحد يمثل الإسلام، ولا من ينطق باسم الإسلام.

وللحديث بقية فقد طل الحديث والمقال..

قراءة 412 مرات آخر تعديل في السبت, 25 جانفي 2020 17:21