السبت, 18 أفريل 2020 20:40

وجهة نظر: شروط إدارة مرحلة انتقالية ناجحة مميز

كتب بواسطة : محفوظ بـــدروني (نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

* مقدمة وتمهيد:

تنبع أهمية وخطورة المرحلة الانتقالية بأنها تشكل مسار الحركة ما بين القديم والجديد، فهي تشهد عملية متزامنة ومتوازية من الهدم والبناء. وعليه فإنّ إدارتها تتعلق بوضع برامج محددة لتحقيق مهمتين رئيسيتين: الأولى: إسقاط النظام بعناصره القيادية المفصلية وقواعده المؤسسية، أي بمعنى الازاحة الكاملة للنظام التي تقتضيها الثورة. الثانية: بناء نظام سياسي تعددي يؤسس لعملية إعادة بناء الدولة وتحقيق النهضة الشاملة للبلاد.

* شروط إنجاح المرحلة الانتقالية:

1°)- التوافق الوطني: ويعبر مفهوم التوافق الوطني عن الثوابت والأُسس التي تختارها أغلبية المواطنين في المجتمع سواء عن طريق الانتخابات أو الاستفتاءات التي يشارك فيها الشعب. وهذه الثوابت التي تختارها الأغلبية، ليست ثوابت أغلبية سياسية متغيرة ، بل هي ثوابت أغلبية مجتمعية، تعبر عن ثوابت يؤمن بها أغلبية المجتمع بأغلبية مواطنيه ويحدث حولها توافق بين مختلف مكونات المجتمع..

فثوابت الأغلبية المجتمعية السائدة هي نفسها القواعد العامة الناظمة للمجتمع، وهي الأسس والقواعد التي يتفق عليها المجتمع، ويبنى عليها نظامه السياسي (1) ويتوافَقَ عليها المجتمع في الخيارات الكبرى مثل السيادة الشعبية، والهوية الوطنية، والدستور كمرجع أعلى في العمل السياسي والوطني، وشرعية النظام السياسي، والوحدة والسيادة الوطنية، وغير ذلك من القواعد التي تجعل النظام السياسي متوافقا مع النظام الاجتماعي ومنظومة القيم المجتمعية والثقافية والحضارية السائدة، فتصبح الدولة بكل سلطاتها تعبيراً عن المجتمع، وممثلة له، وتصبح القوى والتنظيمات السياسية متوافقة على ما توافق عليه المجتمع (2).

2°)- المعرفة بطبيعة المرحلة: وهذا بمعرفة ظروف المرحلة وطبيعة الأعمال والقرارات والإجراءات الواجب اتخاذها خلالها لبناء دولة جديدة على أنقاض دولة الفساد والاستبداد ومعرفة ما يمكن تقديمه وما يمكن تأخيره، وما هو الأهم وما هو المهم، مع ترتيب الأولويات وعدم الانشغال بالجزئيات وتحديد الأدوات الضرورية التي تساعد على تحقيق النجاح..

لذا، وجب التحصن بالحرص واليقظة وإبقاء أهداف الثورة الكبرى مرشدا للفعل ومرتكزا للتفاعل في هذه المرحلة الحرجة.. فالوقت لتوحيد الجهود وتجميع الإرادات لأجل تحقيق أهداف الحراك والثورة لا غير، ولا سيَما أنّ هذه المرحلة ليست مرحلة تنافسية لأجل كسب رضا الشعب قصد تطبيق برامج اقتصادية، أو تنفيذ سياسات اجتماعية وثقافية وغيرها، وإنّما هي فترة تهدف بالأساس تجريف مخلفات النظام الاستبدادي البائد وتصفية آثاره المدمرة على العباد والبلاد وإقامة نظام سياسي جديد على أنقاضه وبناء مؤسسات الدولة التي يقرها الدستور الدائم للدولة الجزائرية.

3°)- تسيير المرحلة وفقا لقواعد التوافق والشراكة: وذلك بتجميع وتوحيد القوى السياسية والاجتماعية المخلصة، التي عملت من أجل إحداث التغيير وإسقاط النظام ولم تتلوث مع النظام السابق، في تسيير هذه الفترة وفقا لقواعد التوافق والشراكة والإدارة التعددية، ضمن حالة توافقية توضع لها الآليات المناسبة بالاتفاق بين التيارات السياسية دونما نظر إلى الخلفيات الفكرية أو الاتجاهات الإيديولوجية والقناعات السياسية مع تقديم التنازلات المتبادلة بينها، والتي لا تعني بالضرورة تنازل الأكثرية للأقلية، لأجل إقامة نظام سياسي جديد والتوافق بين القوى السياسية الثورية والتعاون فيما بينها في المتفق عليه وفي المشترك فيه والذي هو الأساس في اتخاذ القرارات في هذه المرحلة، فإن تعذر ذلك فإنّه يلجأ إلى الشعب الذي يفصل حينئذ بين الخيارات المطروحة من خلال الاستفتاء الشعبي.

4°)- عدم الاحتكار والهيمنة على الساحة السياسية وإدارة الدولة: وهذا بأن لا يهيمن تيارا واحدا أو يسيطر فصيلا إيديولوجيا محددا أو يحتكر تنظيما سياسيا معينا مقاليد السلطة خلال هذه المرحلة، حتى وإن حاز الأغلبية الانتخابية، بالنظر إلى حساسية المرحلة الانتقالية وهشاشة الأوضاع العامة، حيث يستوجب ويتعين على كل من انتخبهم الشعب أن يتوحدوا لأجل مواجهة التحديات والعقبات التي تفرضها المرحلة الاستثنائية والعمل على تجاوزها، ولا سيَما التحدي الرئيسي التي تشكله الثورة المضادة والدولة العميقة والمؤامرات الإقليم والدولية المناهضة لاستقلال الشعوب وتحرر الأوطان.

فالعمل من أجل التغيير لا يمكن أن يقوم به فصيل واحد، أو تيار واحد، أو شخص واحد مهما كان حجمه ومهما عظم وزنه في الساحة السياسية مع التسليم بعدم إمكانية نجاحه منفردا.. لذا لا بد من تعاون وتعاضد مختلف القوى السياسية التي احتضنت شرارة الحراك، وناصرت الثورة الشعبية لإنجاح مشروع التغيير الذي يصبو إليه الشعب وتطالب به الجماهير.

5°)- مراعاة المصلحة العليا للوطن: وذلك بتغليب مصلحة الوطن والبلاد على المصالح الشخصية للأفراد والتنظيمات السياسية من حيث أنّه يجب مراعاة المصلحة العليا للوطن في كل التصرفات والأعمال والإجراءات التي ستعمد على اتخاذها الهيئات والسلطات الموكل إليها تسيير المرحلة الانتقالية وهذا بتعضيد ومساندة من القوى الفاعلة والعاملة من أجل التغيير، وبالتالي يجب حل التعارض بين الرؤية الخاصة بكل فصيل والرؤية الوطنية العامة، والأصل والميزان الحاسم هو المصلحة الوطنية العليا. كما ينبغي عدم تغليب الواجهة المطلبية، كتقديم مطالب جهوية أو فئوية أو هوياتية أو مناطقية أو طائفية.. فإن كان ولا بد، فإنه يتعين تنظيم عملية رفع المطالب الفئوية من خلال قنوات مؤسسية نقابية أو مهنية لأن كثير من هذه المطالب هي مطالب مشروعة ولدتها سنوات طويلة من الظلم والقهر والتمييز، مع التشديد على أهمية عدم تعطيل عمل المؤسسات الإدارية والوحدات الإنتاجية ونشر خطاب إعلامي يدفع أفراد المجتمع إلى القيام بواجباتهم كما يطالبون بحقوقهم.

6°)- احترام الاختلاف السياسي والتنوع الثقافي واللغوي والديني للجزائر: فالتنوع سمة كونية وحقيقة اجتماعية، كما أنّ الاختلاف سنة إلهية وطبيعة بشرية فالتعددية هي مبدأ وقيمة. واختلاف البشر يجب أن يكون اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد أو صراع لأن التنوع دائماً هو مصدر الثراء والخصوبة ومدعاة لتحقيق النمو والازدهار، وهذا من خلال التفاعل والتواصل بين مختلف مكونات الجماعة الوطنية..

لذلك، وجب العمل على الاستفادة من هذا التنوع المجتمعي بأن يكون حافزا على التنافس في ميادين التقدم والتدافع لأجل الارتقاء والتسابق على الإبداع. فجميع المواطنين لهم الحق في الوجود والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. لذلك وجب رفض إقصاء أو تهميش أي مكون من قوى الشعب بسبب انتمائه السياسي أو معتقده الديني، ورفض كل معاني الاحتكار والاستبعاد وأشكاله، وعدم السماح بتحول الاختلاف إلى خلاف وتناحر يستفيد منه أعداء الوطن.

7°)- اعتماد الحوار وسيلة لبناء الثقة: بناء ثقة متبادلة وشاملة بين الناشطين والعاملين من أجل التغيير، وهو أولى الأولويات وأوجب الواجبات، والحوار هو أساس بنائها، وأساس العمل واستمرار التنسيق مع كل مكونات العاملين من أجل التغيير. ومن أجل نجاح الحوار يتعين تحقيق الاحترام المتبادل، قبول الرأي والرأي الأخر، افتراض الصواب عند الآخرين. ولذلك وجب رفض التطرف والتخوين والتكفير، رفض الشيطنة وغياب الشفافية. كما يتعين نبذ العنف والإرهاب بكل صوره وأشكاله، ومن كل الأطراف، ونبذ الفتنة والفرقة والخصومة، ومنع خطاب الكراهية والتحريض، والابتعاد عن المحاصصة بين أبناء المجتمع، أو بين فئاته، ثم التوافق على عدم تسييس أو اصطفاف منظمات المجتمع المدني، مع التوافق على أن يكون حبال التواصل والتعاون قائمة دائما بين مختلف القوى السياسية وبين السلطات والهيئات التي تحكم خلال المرحلة الانتقالية.

8°)- التكامل بين المنهج الثوري والمنهج الإصلاحي: وذلك بممارسة الحكم في إطار مبدئي الشرعية والمشروعية والعمل ضمن إطارهما، مع المزاوجة بين الضغط الشعبي والعمل المؤسساتي حتى يستكمل بناء الدولة الجديدة التي يرتضيها الشعب ويساهم في بنائها من خلال المؤسسات التي يقرها، مع توفير العوامل التي تعزز استمرارية النظام الديمقراطي والتي لا تقل أهمية عن تلك التي ساهمت في إنشائه، مثل الاتفاق العام على قواعد هذا النظام، ووضع حدود واضحة لاستخدام السلطة، والقبول بالحلول الوسط في إدارة الصراعات، والحذر من قوى الثورة المضادة والحيطة من الدولة العميقة ومعالجتهما بالوسائل القانونية والشرعية والثورية، والعمل على إخضاع الجيش وأجهزة الأمن المختلفة للحكومة المنتخبة..كل ذلك يدعم استمرار النظام الديمقراطي ويمنع إلى حد كبير العودة إلى الوراء، أي إلى الحكم التسلطي.

)- العمل ضمن الإطار المرجعي: ويتشكل من خلال توافق النخب والناشطين على أرضية سياسية واحدة وإستراتيجية موحدة وميثاق أخلاقي لإدارة الصراع مع منظومة الحكم التسلطية، ثم العمل ضمن الإطار المرجعي الذي تشكله خريطة الطريق والأرضية السياسية التي يقرها الشعب من خلال الاستفتاء، والذي يصبح بمثابة دستور الدولة في المرحلة الانتقالية، وعلى أساسه تُدار المرحلة الانتقالية.

وتأسيسيا على ذلك، وجب العمل ضمن هذا الإطار المرجعي باحترام مضمون وأحكام الدستور المؤقت وهذا بالتقيد بمدة المرحلة الانتقالية، واحترام ما يصدر عن مؤسساتها والاجتهاد في إنجاز ما حددته خارطة الطريق من إصلاحات حقيقية وتغييرات جوهرية على منظومة الحكم وإدارة الدولة ضمن برنامج العمل أو التكليف بالمهام التي تتولى مؤسسات المرحلة الانتقالية إنجازها والقيام بها.

* خلاصة وتنويه:

ولأجل تحقيق هذه الشروط وضمان احترام هذ السلوك في إطار عمل جماعي، بين مختلف مكونات الثورة الشعبية ومختلف ألوان الطيف السياسي وتجمعات قوى التغيير والثورة، ينبغي بلورة مفهوم عقد إجتماعي ضامنٍ يستجيب لتطلعات كل مكوّنات المجتمع والأطياف السياسية دون تعارضٍ أ وصدام مع فكرة التعايش والمشاركة الديمقراطية.

ولأجل تحقيق ذلك، فإنّ هذه الثوابت الوطنية وهذه المفردات الجامعة، التي تشكل قواسم مشتركة لدى الجميع والتي يجب الالتفاف حولها والتوافق عليها والالتزام بها، هي التي يتعين صياغتها في عقد اجتماعي وبرنامج توافقي وميثاق شرف يحدد المبادئ ويضبط العلاقة بين الأطراف لتسيير مرحلة انتقالية تمكن وتعزز فرص الانتقال الديمقراطي بنجاح وتحقق أسس التعايش المشترك.

--- (1)التوافق السياسي والتوافق الوطني المفاهيم، ووسائل التطبيق، والتجارب الدولية/ كمال كركوكي. (2) في معنى التوافق الوطني ومآلاته / كمال الذيب.

قراءة 357 مرات آخر تعديل في السبت, 18 أفريل 2020 21:11