الثلاثاء, 05 ماي 2020 17:34

صحيفة المدينة (أو دستور المدينة) مميز

كتب بواسطة : محفوظ بـــدروني (نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

* تمهيد:

دوّنت هذه الصحيفة (1) بأمر النبيّ (صلى الله عليه وسلّم) لتحكم العلاقة بينه وبين المسلمين المهاجرين والأنصار من جهة وبين سائر أهل المدينة من جهة أخرى. وقد صدرت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) مباشرة بعد هجرته من مكة إلى المدينة واستقراره بهذه الأخيرة في السنة الأولى للهجرة، الموافق للعام 623 الميلادي. وقد نظم النبي(صلى الله عليه وسلم) بموجب هذه الصحيفة العلاقات بين سكان المدينة واستهدفت توضيح التزامات جميع الأطراف القاطنين بالمدينة وتحديد حقوقهم وواجباتهم.

وقد سميت في المصادر القديمة بالكتاب أو الصحيفة وأطلقت عليها الأبحاث الحديثة لفظ "الدستور". ودستور المدينة هو أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية، كُتب بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة. وقد حوى هذا الدستور اثنين وخمسين (52) بندا، كلها من رأي رسول الله: خمسة وعشرون(25) منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون (27) مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود والمشركين. المبادئ والأحكام التي تضمنها الوثيقة (الدستور):

1°)- تحديد مفهوم الأمة:تضمنت الوثيقة مبادئ عامة درجت الدساتير الحديثة على وضعها فيها وفي مقدمة هذه المبادئ تحديد مفهوم الأمة.فالأمة في الصحيفة تضم المسلمين جميعا مهاجريهم وأنصارهم ومن تبعهم ومن لحق بهم وجاهد معهم. وهذا شيء جديد غير متعارف عليه في تاريخ الحياة السياسية في جزيرة العرب حيث نقل النبي(ص) قومه من شعار القبيلة والتبعية لها إلى شعار الأمة التي تضم من اعتنق الدين الجديد فقالت الصحيفة عنهم "أمة واحدة" (المادة 21)، وهذا تماشيا مع ما قرره القرآن الكريم "وأنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" سورة الأنبياء/92.

 2°)- تحديد أساس المواطنة:اعتبرت الصحيفة الإسلام أساس المواطنة في الدولة الإسلامية الجديدة التي قامت بالمدينة المنورة وأحلت الرابطة الدينية محل الرابطة القبلية وجعلت من المسلمين أمة واحدة ولم تحصر المواطنة في المسلمين وحدهم، بل نصت على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة وعنصرا من عناصرها وحددت ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات(المادة 16، 20 و25).

وهكذا تبين أن عنصر الإقليم والإقامة الدائمة فيه هو الذي أعطى اليهود والمشركين حق المواطنة وضمن لهم التمتع بالحقوق التي كفلتها الوثيقة لهم. فالإسلام قد اعتبر أهل الكتاب والمشركين الذين يعيشون في أرجاء الدولة الإسلامية مواطنين، ومن ثم فاختلاف الدين -بمقتضى أحكام الصحيفة- ليس سببا للحرمان من المواطنة كما كان ذلك مطبقا في الدول التي عاصرت الدولة الإسلامية في بدء تكوينها.

 3°)- تحديد المرجعية العليا وتعيين رئيس الدولة:لقد حددت الصحيفة سلطة مركزية يرفع إليها الحكم أو الخلاف، وبذلك أصبح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية. فقد تم تحديد بموجب نصوص الوثيقة رئيس الدولة في شخص رسول الله بنصها على أن ما اختلف فيه من شيء، فإنّ مرّده إلى الله وإلى محمد رسول الله (المادة 23). وقد تولى الرسول سلطة رئيس الدولة والهيمنة على إقليمها وفق نصوص الوثيقة وباتفاق أهلها بالنص على أنه "لا يخرج منهم أحد (أي من المدينة) إلا بإذن محمد" (المادة 36).

 4°)- تحديد إقليم الدولة: لقد حددت الوثيقة معالم وحدود الدولة وهو إقليم المدينة (يثرب)، وتطبيقا لهذا النص فقد أرسل النبي أصحابه ليثبتوا أعلاما (bornes) على حدود حرم المدينة من جميع الجهات (délimitation des frontières). ثم اتسع الإقليم فشمل كل الأقاليم المجاورة تبعا للفتوحات التي تمت في عهده(ص) أوفي عهد خلفائه الراشدين. وبإبرام الصحيفة أصبحت المدينة المنورة وضواحيها دولة إسلامية جديدة، عاصمتها المدينة المنورة، ورئيسها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

 5°)- تقرير مبادئ أساسية للنظام السياسي الجديد:بإقرار هذا الدستور، صارت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، بما فيها حرية العقيدة والعبادة(المادة 20 و25). كما قررت هذه الصحيفة مبادئ أساسية للنظام السياسي الجديد منها مبدأ المساواة( في موادها 15، 17، 19، 45) ومبدأ عدم إقرار الظلم أي مبدأ العدل (المواد 13،15، 16، 36، و47).وقد تقرر هذان المبدآن وتأكدا في كثير من نصوص القرآن والأحاديث النبوية.

 6°)- تقرير مبدأ الانضمام إلى المعاهدات بعد توقيعها: لقد نصت الوثيقة على أن نصوصها مطبقة على أطرافها الأصليين وعلى من تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم(المادة 1 و16). فهي أول معاهدة عرفها التاريخ شرّعت لتفتح المجال لانضمام أطراف جدد إليها. ومن ثم فقد أصبح هذا الدستور هو أول وثيقة في التاريخ تقرر مبدأ جواز الانضمام إلى المعاهدات بعد توقيعها، وهذا المبدأ أصبح اليوم من المسلمات في قواعد إبرام المعاهدات الدولية ومعمولا به في القانون الدولي المعاصر.

 7°)- منع إبرام صلح منفرد :نصت الوثيقة على عدم جواز إبرام صلح منفرد مع أعداء الأمة الإسلامية (المادة 17)، ومن ثم فلا يجوز لحاكم أن ينفرد بإبرام صلح مع أعداء الأمة الإسلامية المحاربين لها، سواء أكان هذا الحاكم رئيسا للدولة أم قائدا لجيوشها أم مسؤولا في أي قطاعا من قطاعاتها. كما لا يجوز لأحد أن يلزم المسلمين بصلح له صفة الدوام والاستمرار مع أعدائهم إلا إذا رضوا به جميعا أو رضي به أولو الرأي وكانت نصوصه غير مجحفة في حقهم وشروطه عادلة تضمن للمسلمين حقوقهم.

 8°)- النص عل مبادئ غير سياسية:نصت الوثيقة أيضا على مبادئ أخرى لا تتصل اتصالا مباشرا بمجال تنظيم الدولة، وإنما كان ورودها لإبراز أهميتها ولإلزام المتعاقدين أو الأطراف بالنزول على حكمها، نذكر منها وجوب القصاص في القتلى (المادة 21)، منع إيواء المجرمين (المادة 22)، وعلى أنّ العقوبة تلحق من ارتكب جرما دون غيره (المادة37)، وهو المبدأ المعروف في الفقه الجنائي المعاصر بمبدأ شخصية العقوبة، والإسهام في نفقات الحرب (المادة 24)، رعاية الجار (المادة 40)، وفاء الدين عن الغارمين (المادة12) وفداء الأسرى (المادة 3) وبعض تدابير الأمن (المادة 36).

 9°) - الإبقاء على بعض الأعراف القديمة الصالحة: لقد أبقت الصحيفة على بعض الأعراف القديمة التي كان يتعامل على أساسها العرب قبل الإسلام، ومنها التعاون في الخير والتواصي بالبر(المادة3 وما يليها). فقد أبقى الإسلام أو دولته الأولى بعض وظائف القبيلة الاجتماعية التي لم تكن شرّا كلّها، فهذا منهج الإسلام في تشريعاته كلها في التعامل مع الأعراف السائدة، حيث يبقي منها ما كان صالحا ويلغى أو يعدّل ما كان فاسدا أو متعارضا مع مبادئه الأساسية. 

* خاتمة:

والمتأمل في بنود هذه الوثيقة يدرك مدى العدالة التي اتسمت بها معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، وإسقاط كل الاعتبارات الطبقية والجاهلية، وترسيخ المبادئ الإسلامية، التي تقرّر حرية العقيدة والرأي، وحرمة المال والدماء، وتقضي على العصبية والطبقية، فسبقت بذلك جميع العهود والمواثيق التي تقرّر حقوق الإنسان. كما أنها اشتملت على كلّ ما تحتاجه الدولة، من مقوماتها الدستورية والإدارية، وعلاقة الأفراد بالدولة، وتنظيمها لكلّ العلاقات الموجودة فيها.

  وقد بيَنت هذه الوثيقة أو"دستور المدينة" بوضوح وجلاء عبقرية الرسول (صلى الله عليه وسلم) في السياسة والصياغة على السواء. فقد كتبت هذه الوثيقة على غير مثال سابق وشملت نصوصها أغلب ما كانت تحتاج إليه الدول الناشئة في تنظيم شؤونها وقد صيغت صياغة بالغة الدّقة ويعرف ذلك كل من تعود على قراءة نصوص المعاهدات الدولية والدساتير الحديثة، وأدرك ما تثيره نصوصها من خلاف في الفهم أو التطبيق فقارنه بما ورد في هذه الصحيفة من نصوص. ولا تزال المبادئ التي تضمنتها هذه الصحيفة -في جملتها- معمولا بها (والأغلب أنّها ستظل كذلك) في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليوم بعد قرون من تقريرها في أول وثيقة سياسية ودستورية أملاها النبي (صلى الله عليه وسلم).

المراجع:

1- نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي/ظافر القاسمي.

2- في النظام السياسي للدولة الإسلامية/د.محمد سليم العوا.

3- السيرة النبوية/د.علي الصلابي.

قراءة 487 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 05 ماي 2020 17:57