الأحد, 16 أوت 2020 14:57

عن السياسة الخارجية لتركيا في عهد أردوغان مميز

كتب بواسطة : محفوظ بـــدروني (نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

تمهيد: عند استقراء التاريخ، يثبت أن الدول التي فصلت بين الأخلاق والسياسة واستعملت منطق القوة والعنف ولم تراع سوى المصلحة المادية كان مآلها الفشل والانهيار، ومن هذا المنطلق وجب الربط بين السياسة والأخلاق، ولذلك وجب التذكير أن عددا قليلا من الدول في العصر الحديث من تراعي الجانب الأخلاقي في تعاملاتها الدولية، ومن هذه الدول تركيا في عهد حزب الحرية والعدالة ورئيسه طيب رجب أردوغان. مظاهر وتجليات الجانب الأخلاقي في السياسة الخارجية لأردوغان وحزبه: ذ

1°)- رفض استعمال القواعد العسكرية الأمريكية على أرض تركيا في عدوان أمريكا على العراق: وكانذلك عام 2003، حيث صوت البرلمان التركي و الذي كان أغلبيته من حزب العدالة والتنمية (حزب أردوغان) بأغلبية على مشروع قرار رفض بموجبه استعمال القواعد الأمريكية الموجودة على التراب التركي في العدوان الذي شنته أمريكا على العراق عام 2003، في الوقت الذي سمحت فيه دول الخليج باستعمال القواعد الأمريكية على أراضيها لكي تكون منطلقا للهجمات والغارات على دولة مستقلة وجارة هي العراق، وفي الوقت الذي ساعدت إيران بقوة أمريكا (الشيطان الأكبر؟؟؟) على احتلال العراق عن طريق أتباعها وأذنابها في العراق (المرجعية والأحزاب الشيعية) باعتراف محمد خاتمي رئيس لإيران قائلا: "لولا إيران لما استطاعت أمريكا احتلال البلدين الجارين لإيران: العراق وأفغانستان".

2°)- تأييد ثورات الربيع العربي والوقوف ضد الانقلاب العسكري في مصر: وهذا من أول لحظة وقوعه بالرغم من الضغوط الداخلية والخارجية التي مورست على الحكومة التركية آنذاك لجرها إلى الاعتراف بالوضع القائم والانقلاب العسكري الحاصل مقابل استمرار العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري الكبير بين البلدين، لكن أردوغان وحزبه رفضا ذلك ووقفا ضد الانقلاب بقوة وقام باستقبال عدد كبير من الناشطين والمناهضين للانقلاب الهاربين من مصر وسمح لهم بحرية الحركة وإنشاء قنوات إعلامية، وهذا عكس ما فعلته دول "عريقة في الديمقراطية"، كالدول الغربية التي باعت مبادئها وشعاراتها، التي كانت ولا تزال تصدع بها رؤوس المغفلين، وهذا عندما قامت بمباركة وتزكية الانقلاب العسكري وقبلت بالتعامل مع العسكر المنقلبين من دون حياء أو خجل مفضلين بذلك مصالحهم المادية والإستراتيجية والإيديولوجية الضيقة على حساب مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

3°)- استقبال أكثر من ثلاث ملايين لاجئ سوري والتكفل بهم: لقد وقف أردوغان في بداية الثورة السورية على النظام الأسدي الطائفي موقفا حياديا بل وعمل على التوسط لدى النظام السوري المجرم للكف عن استعمال القوة والرصاص لقتل المتظاهرين السلميين حيث بقيت الثورة السورية سلمية لأكثر من ستة (6) أشهر، لكن دون جدوى بالنظر إلى تعنت النظام السوري وتماديه في استعمال القوة وإطلاق الرصاص لإخماد المظاهرات السلمية، وبعد تفاقم الأوضاع وتجذر الثورة وتدخل عدد من الدول في دعم الثورة كل حسب مصلحته وحساباته.

وبعد استعمال النظام كافة الوسائل الحربية التي بحوزته (من رصاص حي، براميل متفجرة، صوارخ سكود، طيران حربي، نقابل عنقودية، وسلاح كيماوي وغيرها..)، والتي لم يجرؤ على استعمال أي واحدة منها ضد الكيان الصهيوني لمدة تفوق 40 سنة أي منذ احتلال هذا الأخير لأرض الجولان السورية عام 1967، حيث لم يطلق رصاصة واحدة على العدو الصهيوني المحتل، كل هذه الجرائم والمجازر التي ارتكبها أدت إلى هجرة مئات الآلاف من السوريين إلى خارج البلاد بل الملايين، ولا سيَما إلى البلدان المجاورة: لبنان والأردن وتركيا وبعدد أقل بقية الدول العربية وكذا دول الاتحاد الأوروبي.

لقد قامت تركيا باستقبال أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري ومنحت لهم كل سبل العيش الكريم على أرضيها من تعليم وصحة وإيواء هذا العدد يفوق بكثير عدد سكان كثير من الدول.

4°)- الوقوف ضد غزو قطر من قبل دول محور الشر: كان ذلك في يونيو عام 2017، حيث أرسلت عددا من الجنود وأنشأت قاعدة عسكرية على أرض قطر حالت دون تنفيذ السعودية والدول المتحالفة معها تهديدها، بل خطتها في احتلال قطر وتنصيب أفراد من العائلة الحاكمة موالين لها في حكم دولة قطر مع إجبارها على تنفيذ البنود 13، ومنها إغلاق قناة الجزيرة وطرد المناهضين للانقلاب العسكري والمناضلين من أجل التغيير في الوطن الربي وأنصار الربيع العربي وهذا رفضا لتغيير نظام حكم بالقوة ومن قبل دول أجنبية فمسألة تغيير نظام حكم هي حق حصري لأبناء الوطن ولا دخل للقوى الأجنبية والدول في هذا الأمر، لأنه يفتح باب واسعا للتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للشعوب والدول ومن ثم يصبح الدول الكبرى والقوية هي التي تحدد ما يصلح للشعوب والدول وليس ما يقرره أبناء الوطن.

5°)- رفض المساومات والإغراءات المالية من قبل السعودية في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي: لقد تعرضت تركيا لضغوط كبيرة لأجل طمس معالم جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، التي ارتكبت بمقر قنصلية السعودي بتركيا، والسكوت عنها مقابل حصولها على أموال طائلة فاقت 100 مليار دولار ومنافع اقتصادية أخرى كبيرة حتى ذهب عدد من المراقبين والصحفيين في بداية الأزمة إلى القول بأن الرئيس التركي قبل المساومة ورضخ لمطالب السعوديين، لكن الأمر كان بخلاف ذلك، حيث رفض كل تلك المساومات والإغراءات، وعمل هو وحكومته بكل ما أوتوا لأجل كشف معالم الجريمة وكشف أدق تفاصيلها، مما أدى (بمعونة قناة الجزيرة) إلى فضح النظام السعودي عالميا بالرغم من محاولة "ترامب" التستر عن هذه الجريمة النكراء.

وهنا، وجب التذكير بأن الحكومة الفرنسية قامت عام 1987 بالتستر عن الجريمة التي ارتكبها عميل المخابرات الجزائرية "أملو" الذي نفذ نيابة عنهم جريمة قتل المناضل والمعارض السياسي السيد "علي مسيلي" على الأراضي الفرنسية، بل قام النظام الفرنسي أكثر من ذلك بترحيله إلى الجزائر ودون أن يفتح تحقيقا في هذه الجريمة في بلد يدعي زورا وبهتانا أنه بلد الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان؟؟!!.

6°)- الوقوف مع الحكومة الشرعية في ليبيا: لقد بقيت الحكومة الشرعية في ليبيا المنبثقة عن اتفاق "الصخيرات"، أو الاتفاق السياسي الليبي الذي شمل أطراف الصراع في ليبيا وتم توقيعه تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات بالمغرب في عام 2015 بين كل مكونات الطيف السياسي، بقيت وتصد لوحدها قرابة أكثر من عام العدوان الذي شنه مجرم الحرب "خليفة حفتر" على العاصمة الليبية طرابلس ابتداء من يوم 04/04/2019، وهذا بعد ما احتل عددا من المدن الليبية على الساحل الغربي وكذا قاعدة الوطية وسرت والجفرة (قاعدة عسكرية) وترهونة في الغرب الليبي.

لكن بعد إبرام معاهدة بين الحكومة الشرعية في ليبيا ودولة تركيا ومنها المعاهدة التعاون الأمني وترسيم الحدود البحرية لقطع الطريق على الكيان الصهيوني الذي كان يخطط لتصدير الغاز الطبيعي المستخرج من المياه الإقليمية الفلسطينية (وليس إسرائيل) ومصر إلى دول الاتحاد الأوربي، وبموجب التفاهمات الأمنية والاتفاقات العسكرية بين الجانبين، قامت تركيا بإرسال مساعدات عسكرية كبيرة إلى الحكومة الشرعية (معدات عسكرية حديثة، طائرات مسيرة، معلومات استخبارية، طائرات حربية، تدريب وغيرها) قلبت موازين القوة لصالح الحكومة الشرعية في بضعة أسابيع.

وهذه المواقف كانت نابعة من بعد أخلاقي في إدارة الشؤون العامة وليس من مصالح مادية مجردة، كما تفعل ذلك الحكومات الغربية ضاربة بذلك عرض الحائط مبادئ الحرية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ إنّها لو أخذت تركيا بالحسبان المصالح المادية المجردة، وفقط، لكان ذلك يفرض عليها الوقوف مع دول محور، دول الشر ومعسكر الثورات المضادة (السعودية، الإمارات، مصر..)، لأنها هي التي تملك المال والثروات وبها سوق استهلاكية كبيرة فماذا تجنيه تركيا من مساندتها مثل هذه القضايا العادلة ماديا.. لا شيء، بل جلب عليها ذلك مؤامرات كادت أن تعصف بالتجربة الديمقراطية الناجحة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي أحرزته والمكانة الدولية المرموقة من خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في يوليو من عام 2016.

وفي الختام، يمكن القول إن السياسة والأخلاق رغم تباينهما إلا أنهما متكاملان، لأن الإنسان كائن سياسي وأخلاقي في الوقت نفسه، لذلك يجب مراعاة المطالب الأخلاقية في أثناء الممارسة السياسية سواء داخل الدولة أو بين الدول، لأن ذلك يؤدي إلى انتشار الأمن والقضاء على الخلافات والحروب وتحقيق إنسانية الإنسان.. ويمكن أن نستخلص العلاقة بين السياسة والأخلاق من خلال قول الإمام "أبو حامد الغزالي": "الدين والسلطان توأمان، والدين أساس والسلطان حارس، فمن لا أساس له فمهدوم، ومن لا حارس له فضائع".

(*): المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر عن رأي الصحيفة.

قراءة 179 مرات آخر تعديل في الأحد, 16 أوت 2020 15:13