الجمعة, 28 أوت 2020 19:12

أخطاء رئيسية للنخب السياسية إثر الانفتاح السياسي (عام 1989) مميز

كتب بواسطة : محفوظ بـــدروني: (نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

* تمهيد:

عرفت الجزائر انفتاحا سياسيا محدودا إثر الأحداث التي وقعت في شهر أكتوبر من عام 1988 تجلى ذلك بإقرار دستور جديد عام 1989 اعترف بالتعددية السياسية والحزبية ولو باحتشام، وأقر كذلك بالتعددية الإعلامية ولو تحت السيطرة والتحكم عن بعد.

وكان هذا الانفتاح فرصة أضاعتها النخب السياسية والفكرية بسبب جملة من الأخطاء أظهرت عدم كفاءتها في إدارة الصراع مع المنظومة الحاكمة التي كانت في حالة من الضعف والهوان بسبب تراكمات سنين من الإخفاق في التسيير وفشل في إدارة الدولة بما يحقق مطالب وطموحات الشعب الجزائري.

* الأخطاء الرئيسية للنخب السياسية:

وبعيدا عن البحث عن السباب النفسية والشخصية، ولا سيَما ما تعلق بالبحث والتحقق في صدق النوايا أو سوئها وبواطن الضمائر التي هي في علم الله يمكن إجمال الأخطاء الرئيسية للنخب السياسية التي تصدرت المشهد السياسي بعد الانفتاح السياسي الذي وقع إثر أحداث أكتوبر من عام 1988 فيما يلي:

1°)- قبول أن تتولى السلطة القائمة تحديد معالم النظام السياسي الجديد: وتحديد حدود النقاش السياسي وإدارة المشهد السياسي بمفردها من خلال استفرادها بكتابة وصياغة وإقرار دستور جديد للبلاد في عام 1989 وإصدار مجموعة قوانين مختلفة لتنظيم الحياة السياسية والإعلامية والجمعوية، وكذا إقرار قانون انتخابات وتعيين المشرفين على تنظيمها دون الاتفاق مع الفرقاء السياسيين أو استشارتهم.

2°)- عدم مطالبة رموز وأعوان النظام بالانسحاب من المشهد السياسي: وذلك من باب إيجاد مخرج أمن لهم بالنظر إلى ما سببه هؤلاء من كوارث في تسييرهم لشؤون الحكم وإدارة الدولة وهذا تطبيقا للقاعدة والمبدأ القائل أنّه "من كان سببا في الأزمة لا يمكن أن يكون سببا في حلها" وأكثر من ذلك القبول بأن يتولى هؤلاء إدارة المشهد السياسي وكأنّ شيئا لم يقع في البلاد.. إنّ هذا لأمر عجاب؟!.

3°)- عدم مطالبة النظام بالاعتذار العلني عن ما ارتكبه من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان: لا سيما وأن دماء ضحايا أحداث أكتوبر 1988 لم تجف بعد فكان لزاما من باب أخلاقي عدم مباشرة أية عملية سياسية حتى تتم محاكمة قتلة المتظاهرين السلميين والمصابين والمسجونين مع تعويض المتضررين طبقا لأحكام القانون العام أو بإقرار قانون خاص "قانون العدالة الانتقالية".. وإنّه لمن السخرية أن يقوم النظام المجرم خلال هذه الفترة بإصدار قانون يتم بموجبه العفو عن الذين خرجوا عليه و/أو ثاروا ضده.

4°)- الاحتكام إلى نظام غير شرعي بدلا من العمل على تفكيكه: حيث عمد الفرقاء السياسيون على العمل مع النظام القائم والاحتكام إلى دستوره وقوانينه وتشريعاته والاعتراف برموزه والتعامل معهم وكأن شيئا لم يحدث في الجزائر طيلة المدة التي حكم فيها الحزب الواحد أو بالأحرى منذ استولى الإنقلابيون العسكريون وسيطروا فيها على الحكم بقوة الحديد والنار منذ 09 سبتمبر من عام 1962..

وهذا بدلا من العمل سويا وبالتوافق على تفكيك منظومة الحكم الاستبدادية والفاسدة بل أكثر من ذلك رأينا أفرادا من "النخبة" ورموزا من "المعارضة" تتسابق على لقاء "أصحاب القرار"، ومنهم جنرالات ولا سيَما قادة المخابرات، هذا الجهاز الذي ارتكب حتى قبل العشرية الحمراء انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان وكان أداة وسوطا لخنق أنفاس الجزائريين ومطاردتهم والزج بهم في غياهب السجون والمعتقلات.

5°)- عدم المطالبة بمرحلة انتقالية تقضي بزوال المؤسسات الموروثة عن نظام الحزب الواحد: إذ لا يعقل أن تعتمد التعددية السياسية ومنها التعددية الحزبية وتبقى الدولة مسيرة من قبل مؤسسات موروثة عن نظام الحزب الواحد وقوانين تمت المصادقة عليها من قبل برلمان الحزب الواحد، حيث ما زالت كثير من النصوص القانونية -التي تم إقرارها خلال حقبة الحزب الواحد- سارية المفعول إلى يوم الناس هذا؟!.

ونجاح أية تجربة للانتقال الديمقراطي مشروط بالمرور بمرحلة انتقالية يتم خلالها تصفية تركة النظام الاستبدادي ومخلفات منظومة الفساد وإصدار التشريعات الخاصة بإدارة المرحلة الانتقالية تفضي في النهاية إلى إقرار دستور جديد.

6°)- عدم التوافق على مضمون الإصلاح السياسي: يلاحظ أن ما سُمي آنذاك بالمعارضة، لم تجتمع مع بعضها ولم تفتح حوارات ونقاشات فيما بينها ولم تقم ببلورة أرضية مطالب تحتوي على مضمون الإصلاح السياسي المنشود بعيدا عن دوائر السلطة والحكم، لهذا سهل على النظام الاستفراد بكل أطيافها وتفكيكها وإضعافها، لأنّ كل طيف كان يظن أنه هو الذي يملك الحقيقة المطلقة وبيده الحل وأنّه يمكنه حكم البلاد بمفرده، بل الأدهى والأمر أن كل طيف كان يجتهد ليكون هو المحظوظ دون غيره عند أصحاب القرار.

7°)- السقوط في فخ الاستقطاب الإيديولوجي: وعدم الاستثمار في المشترك الممكن والانحراف بالنضال السياسي من المواجهة العمودية (ضد النظام) إلى المواجهة الأفقية (بين مكونات المعارضة فيما بينها)..

فإذا كانت النخب والتيارات المحسوبة على الدولة العميقة قد عادت إلى ممارسة أدوارها في محاولة إرجاع النظام القديم من أجل استعادة مصالحها المرتبطة به، فإن النخب والتيارات والأحزاب المحسوبة على المعارضة قد شكلت أخطر الحواجز في مسار الانتقال الديمقراطي، إذ لم تنجح لا التيارات الإسلامية ولا القومية ولا اليسارية ولا اللبرالية المعارضة أو المستقلة في تجاوز خلافاتها الأيديولوجية وصراعاتها الفكرية التاريخية في سبيل إنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة، بل إنها وجدت في مناخ الحرية الجديد إطارا مفتوحا وغير مشروط من أجل تصفية الحسابات القديمة واستعادة الصراعات التاريخية التي خلقت جوّا من الاحتقان سهّل كثيرا بقاء المنظومة القديمة في المشهد والحكم.

* خاتمة:

لقد أدت العوامل المذكرة أعلاه إلى سقوط التجربة الديمقراطية الوليدة وسيطرة العسكر على المشهد السياسي إثر قيامهم بالانقلاب العسكري واستيلائهم على السلطة بشكل مباشر. وفي حقيقة الأمر، فإنّ النخب السياسية في تلك الحقبة لم تكن مهيأة تماما ولم يكن لديها الوعي الكامل لتجاوز خلافاتها والعمل سويا لأجل القضاء على النظام الاستبدادي وإنهاء حكم العسكر الذي سيطر على المشهد السياسي منذ استقلال البلاد.

ومهما افترضنا حسن النية في هؤلاء الذين تصدروا المشهد السياسي غداة أحداث أكتوبر من عام 1988 وما تلاها، فإنّه يمكن الجزم أن النية الحسنة لا تبرر أبدا العمل الخاطئ طبقا لما هو مقرر شرعا وقانونا. لذا وجب على النخب الحالية والعاملين من أجل إحداث تغيير جذري حقيقي في منظومة الحكم وإدارة الدولة استخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة الفاشلة للنخب السياسية والعمل على تلافي كل أخطائها، وما ذلك على الله بعزيز لو صدقت النوايا وساد الإخلاص.

قراءة 241 مرات آخر تعديل في الجمعة, 28 أوت 2020 19:21