الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 05:32

هل يستطيع دعاة التغيير الاستثمار في أزمة النظام؟ مميز

كتب بواسطة : د. المير يوسف / أستاذ باحث بجامعة محمد الطاهري - بشار

بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء على دستور الجزائر الجديدة في ظل مقاطعة واسعة للعملية بلغت حدا غير مسبوق حسب بعض المصادر (أقل من 10%)، حتى إنه صعب عليهم كثيرا رفعها بالممارسات المعهودة للنظام (تعبئة الجيش ومختلف الأجهزة)، والذي بالكاد استطاع إيصالها للنسبة المعلنة رسميا (23%)، وما زاد من تأزم الوضع بالنسبة للنظام طبعا، هو الأصداء الواردة بعد فرز الأصوات، والتي تناقلت أخبارا بترجيح الكفة للمصوتين بـ"لا" رافضين للدستور الجديد.

كل هذا ولَد ارتباكا واضحا على مستوى السلطة "المستقلة" لتنظيم الانتخابات في إعلان النتائج رغم بساطتها (إما نعم أو لا)، عكس ما حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة حيث تأخر إعلان النتائج بشكل واضح و ملفت للانتباه، وهذا دليل على التخبط الذي حدث على مستوى السلطة بالإضافة للصدمة التي تلقتها العلبة السوداء صاحبة القرار النهائي بـ"نعم".

في ظل هذه النتائج وما صاحبها من أحداث، تبقى الملاحظة الأبرز متمثلة في الأغلبية المقاطعة من الشعب بنسبة رسمية تتعدى ثلاثة أرباع الهيئة الناخبة، وذلك تعبيرا عن الرفض للعملية جملة وتفصيلا، حتى بالنسبة لمن يتوهم البعض أن الدستور الجديد يخدمهم، والملفت للانتباه، أن الأحزاب السياسية التي دعت للتصويت بـ"لا"، وهي تبدو في الصف نفسه مع معظم المقاطعين، إلا أنها عجزت بشكل واضح عن تعبئة من يقاسمونها نفس الموقف من الدستور، ولكنهم يختلفون معها كل الاختلاف في المشاركة في عملية يشوبها تزوير بهذا الحجم. وهذا الفشل الذريع في تعبئة الشعب، ما هو إلا دليل على فشل الطبقة السياسية التي تدعي معارضة النظام في كسب رضا الشارع والتعبير عن موقفه والاصطفاف إلى جانبه، فلم تستطع الحصول حتى على مليوني صوت دون احتساب المصوتين بـ"لا" غير المتحزبين.

لذا، أعتقد جازما أن هذه الأحزاب مدعُوة لمراجعة مواقفها وسياساتها إذا كانت تبحث عن السند الشعبي مستقبلا، وليس عن مصالح حزبية ضيقة حتى لا نقول شخصية داخل نظام هرم و متأزم.بالنسبة لدعاة المقاطعة، والذين يبدون ظاهريا (حسب الأرقام) متفوقين سياسيا في إقناع الشعب بموقفهم، ولكن في الواقع هم يتقاسمون، جنبا إلى جنب، مرارة تمرير الدستور مع الرافضين المعبرين عن صوتهم من خلال الاستفتاء، وبذلك المقاطعة أيضا لم تحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع حسب وجهة نظر المشاركين، ورغم ذلك أعتقد أن المقاطعين في غياب سبل الاحتجاج وتأخر عود الحراك للمسيرات، مطالبون بمراجعة بعض المواقف، أهما على الإطلاق في تقديري هو الابتعاد عن كل ما من شأنه التشويش على الهدف الرئيسي أي تغيير النظام جذريا، وذلك بالإبقاء على الصراع عموديا مع الرأس وإهمال كل محاولة لتحويل الصراع أفقيا على المستوى الشعبي، سواء إيديولوجيا أو جهويا أو حزبيا.

إذا وضعنا في الحسبان، أن جميع دعاة التغيير المخلصين يتفقون في الهدف ويختلفون في الطريقة، فهؤلاء مطالبون سريعا بالجلوس والحوار الداخلي دون إقصاء أي طرف، من أجل بحث سبل العمل الجماعي لتحقيق الهدف الرئيسي والابتعاد عن الخطوات أحادية الجانب، خصوصا بعد الارتباك والإحراج الواضحين على النظام المتأزم، والذي رغم ذلك لا يزال يملك القدرة على الاستثمار في الخلافات الإيديولوجية والجهوية التي تشد هيكله المتآكل.

فالأغلبية المقاطعة عندما اتَحدت مع المشاركين الرافضين المغلوبين على أمرهم، استطاعوا إسقاط "الخامسة"، رغم دعم الجيش لها في البداية، وحاليا وفي ظل الوضع السياسي والصحي المتأزمين، لا يملكون إلا العمل بشكل إستراتيجي ذكي لتغيير نظام عاجز فشل في النهوض بالجزائر بكل مقوماتها وخيراتها، فهل يدعونه ينجح في منع تغيير هو آت لا محالة على أيديهم أو أيدي غيرهم. أخيرا وليس آخرا، ليعلم المصوتون بنعم من أجل التموقع وتحقيق مكاسب سياسية ولو بطرق غير نزيهة، أن هذا النظام يعيش أيامه الأخيرة، ما يضطره للقيام بممارسات سياسية انتحارية، والاصطفاف معه بهذا الشكل ضد أغلبية شعبية كاسحة من مقاطعيه ورافضيه حتى من داخله، ما هو إلا انتحار سياسي يعيشونه حاضرا ويتجرعون ألمه مستقبلا بين "إخوانهم".الحراك أنار دربنا، فهل نحافظ على شعلته من الانطفاء!   

قراءة 444 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 11:52