الإثنين, 09 نوفمبر 2020 07:31

قراءة في الانتخابات الأمريكية مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

تابع كثير من السكان العالم الانتخابات الأمريكية، وقد كانت هذه المتابعة متباينة المقاصد والغايات، فرح بعض المستبدين بالرئيس الأمريكي الحالي دونالدا ترمب، وأيّدوه بطرق صريحة وأخرى غير صريحة، فتمنّوا بقاءه في الرئاسة، ولعلّ أغلب من منّى نفسه ببقائه حاكما، الأنظمة المستبدّة التي أبدت استعدادا كبيرا لدفع الرشا لأجل حماية عروشها ومكاسبها غير الأخلاقية والظالمة، وخاصة في ظلّ رئيس فيه من الرعونة ما لا يحسد عليه، فهو زعيم عنصري عُرِفَ بالتحريض على السود، وكانت سياسته تجاه السود منذرة بانقسام المجتمع الأمريكي، فضلا عن تميّزه بالجشع، فلا شيء عنده غير المال ثم المال ولا شيء غير المال.

ولهذه السياسة تجليات كثيرة (الموقف من منظمة الصحة العالمية، الخروج من اتفاق باريس للمناخ، والموقف من المساهمات المالية في الحلف الأطلسي، كما ظهر ذلك جليا في تعامله مع جائحة كورورنا؛ إذ أبدى تغليبه جانب الاقتصاد والتجارة والأعمال على حساب حياة الناس، و...)، وقد صرّح دونالد ترمب أنّ كلّ شيء بثمنه، وليس هناك ما يبذل مجانا، وزيادة إلى ما سلف، كان حاميا لدكتاتوره المفضّل (و الواقع أنّ هذا الحاكم  كان عمليا مفضّلا لدى الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، ولكن بأسلوب ماكر ليس فيه غلظة وفجاجة ترمب)، وهو أيضا الذي حمى من قتل مواطنه في سفارة بلده، وهو أيضا مهندس كلّ محاولات الاستحواذ على الحكم بالقوّة في بلده وفي البلاد الإسلامية، فقد سعى إلى تجاوز الشعوب الإسلامية والعربية بالتأسيس للتطبيع مع الكيان الغاصب لفلسطين من غير موافقة الشعوب أو مراجعتها وفق الأساليب السياسية المحترمة عند الشعوب الحيّة، فضلا عن تشجيع كلّ استبداد وقهر للشرفاء من المسلمين، واستعماله وسيلة لمعاونة الكيان الغاصب لفلسطين المحتلة للخروج من عزلته على حساب الشعوب الإسلامية المقهروة، إذ لا يمكن أن يفك هذا الكيان من عزلته بغير مباركة أمريكا لأنظمة الحكم الاستبدادي في المنطقة الشرقية وخاصة العالم الإسلامي.

فمع وجود الحرية والحق ودولة القانون، لا يمكن للفساد والإفساد الذي تمارسه (و م أ) في العالم الإسلامي أن يتحقق بغير منع الشعوب من تأسيس النظام السياسي الذي يؤسس النهضة أو على الأقل يسير في سبيل تُبْلِغُه إلى النهضة ولو بعد حين.وفرح فريق آخر بذهاب ترمب، وخاصة رموز الربيع العربي، وفي ذلك دوّن الحقوقي التونسي ورئيس الجمهورية التونسية السابق المنصف المرزوقي على صفحته الرسمية (موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)، فذكر تعليقا على فوز ترمب بتاريخ (06/11/2020): "إنّه فوز الديمقراطيّة على الشعبوية، فوز الإنسانية على العنصرية، فوز المبادئ على المصالح، انتصار الذكاء على الخبث، لطمة موجعة من النظافة على وجه الفساد"، لهذا انتهى إلى تقديم التهاني والتعازي، فالأول لبايدن ونائبته، "وللشعب الأمريكي الذي تخلص من كابوس اسمه ترمب"، والثاني هو" كل التعازي للسيسي وابن زايد وابن سلمان ونتنياهو ولأشباههم"، ويخلص منها إلى تمنيات مفادها أنّ "الرياح أصبحت تجري بما لا تشتهي سفن العنصريين في أمريكا والثورة المضادة عندنا"، ثم يوجّه خطابه لشعوبنا، فقال: "وعلينا استغلالها لتعود سفننا نحن للتحرك في اتجاه المرفأ وهذه مسؤوليتنا وليست مسؤولية بايدن أو أي رئيس آخر".والرئيس المرزوقي محقّق فيما ذهب إليه من جهة، ولكنّنا من جهة أخرى نشك فيما إذا كانت أمريكا سواء حكمها ديمقراطيون أو جمهوريون يمكن أن يسمحوا لهذه الشعوب بأن تؤسس نظام الحكم الذي تريد، فكلاهما واقع تحت وطأة اللوبي الصهيوني، الذي يعد رأس موانع النهضة في البيئة الإسلامية كلّها.

وأورد الأستاذ المرزوقي في تغريدة أخرى تعليقا أبدى فيه شيئا من التفاؤل بخروج (و م أ) من العزلة التي ورّطها فيها ترمب، وفيه قطع للطريق على العنصريين، كما يُعَد خروجه من الرئاسة فيه تخفيف ضغط على الشعب الفلسطيني، لأنّ ترمب بلغ في معاداة فلسطين وأهلها مبلغا لم يعرفه الرؤساء السابقون.تكتشف من القراءة السريعة في نتائج الانتخابات أنّنا أما مستقبل خطير لما يقال بأنّها أكبر تجربة ديمقراطية في العالم، ويمكن أن تكون مدخلا للقول بأن الديمقراطية قد استنفدت أغراضها، ولم تعد نظاما سياسيا قادرا على تأطير النزاعات الفكرية والسياسية بين المتخاصمين سياسيا.

تميّز خطاب ترمب بالعنجهية والجشع والظلم الظاهر فضلا عن العنصرية، وبالرغم من هذه الميزة السلبية فاز هذا الخطاب بعدد مهول من المؤيّدين، إذ نال نسبة (47.7%) بمجموع أصوات: 70 601 186، أي بأكثر من سبعين مليون مواطن، وتخيّل هذا العدد مُشْبَعًا بروح العنصرية وله رغبة في استعمال القوة في فض النزاعات السياسية، وخاصة في ظل مجتمع يملك السلاح للدفاع عن رأيه، وهذا ينذر بالموت السريري للحياة السياسية في المجتمع الأمريكي. تخيّل فريقا من هذا العدد يقابله فريق آخر (أي نسبة 50.6%، وبمجموع أصوات: 74 870 706) مُجبر على استعمال الأسلوب نفسه في الحفاظ على حقه، وهذا يؤكّد أنّ التجربة السياسية الراهنة في ( و م أ) قد تكون مصدرا لإضعاف أكبر المؤسسات السياسية فيها (الديمقراطيون، والجمهوريون)، لعجزها الظاهر عن تأطير النزاعات السياسية داخل مؤسسات الدولة.

وهذا قد يكون سببا في دخول مرحلة أخرى تشبه ما لحق فرنسا (السترات الصفراء، رئيس من خارج الحياة السياسية المعهودة والتقليدية).هذا بالنسبة لـ (و م أ)، أما بالنسبة للشرق وخاصة العالم الإسلامي، أظن أنّ هذه الدولة ستعود إلى دورها التقليدي في تبني سياسية ليّنة تتمحور على مصالح الكيان الغاصب لفلسطين، والمنع اللطيف للمجتمعات الشرقية من الحق في تقرير مصيرها السياسي، فستشهد الدبلوماسية الأمريكية الجمع بين لين الحزب الحاكم وشدّة الحزب المعارض، أو العكس، بحسب القضية المشتغل عليها (يضربك الديمقراطي ويتعاطف معك أو يرضيك الجمهوري، أو العكس)، فالذي يهمّ الولايات المتحدة هي مصالحها ومصالح قوتها المتقدّمة (الكيان الغاصب لفلسطين)، وهي متقدّمة لسهرها على مصالح (و م أ).

وكلّ هذه المواقف منتظرة من أمريكا، والمنتظر منها (وفق ما عرفناه من طبيعتها) أن تنصر الاستبداد على حساب حق الشعوب في تقرير حاضرها ومستقبلها السياسي، وأن تتدخّل بكلّ ما تملك لمنع هذه الشعوب من بناء نظام سياسي راشد.لهذا، لا يهمّ العالم الإسلامي أيّهما يفوز بالرئاسة بقدر ما يهمّهم تفعيل إرادتهم السيّدة في الحكم، واختيار النظام السياسي الذي يرغبون بطريقة شفافة، نظام سياسي يعبّر عن آمالهم وآلامهم، فيكون نظام الحكم مؤسسا للاستقلال الحقيقي في كلّ شؤون الحياة. وهذا كلّه مصداقا للمثل العربي: ما حكّ جلدك مثل ظفرك.

قراءة 61 مرات آخر تعديل في الإثنين, 09 نوفمبر 2020 08:12