الجمعة, 13 نوفمبر 2020 09:37

إنها الفرصة الثالثة...فلا تضيعوها مميز

كتب بواسطة : محفوظ بـــدروني / (نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

عرف تاريخ الجزائر الحديث ثلاث فرص لإرساء نظام ديمقراطي وإقامة دولة الحق والعدل والحريات،  دولة القانون والمؤسسات، دولة تعبر بحق عن طموحات الشعب وتمثل بصدق تطلعاته في غد أفضل.الفرصة الأولى (بعد الاستقلال وفي أعقاب ثورة عظيمة)، الفرصة الثانية (بعد أحداث أكتوبر والانفتاح السياسي) الفرصة الثالثة الراهنة (بعد الحراك المبارك والثورة السلمية/22 فبراير2019).

ولئن فشلتا الفرصتان الأوليتان لأسباب عديدة واعتبارات شتى، فإن على الجيل الحاضر مسؤولية عظيمة في إنجاح الفرصة الراهنة المتمثلة في الحراك الشعبي والثورة السلمية، ولكي لا تضيع الفرصة الراهنة لا بد من وضع تصور متكامل عن الشروط الضرورية والأسباب الأساسية لتحقيق التغيير المنشود وإنجاح الحراك وانتصار الثورة، ونراها تتمثل أساسا في ما يلي:

1)- الإدراك الصحيح لطبيعة الأزمة: أولى خطوات العلاج أو الحكم على الشيء تبدأ أولا من التشخيص. والتشخيص لطبيعة الأزمة التي تعرفها البلاد، يقتضي الإقرار أن النظام الحاكم هو نظام غير شرعي منذ عام 1962، لا يتمتع بأدنى مستوى من المشروعية القانونية ولا الشرعية الشعبية.

فقد تأسس هذا النظام بانقلاب عسكري قام به جيش الحدود الذي كان يرابط خارج حدود البلاد في صيف عام 1962 على المؤسسات الشرعية للثورة الجزائرية، واستولى على مقدرات البلاد وأقصى الشعب كله من المشاركة في صنع القرار واختيار نظامه السياسي ومن يمثله في الهيئات والمؤسسات .. ومنذ ذلك التاريخ، استمرت أقلية مستحكمة مرتبطة عضويا بالخارج في حكم البلاد والعباد بكل أنواع القهر والاستبداد والفساد.

2)- التوافق على مشروع إعادة بناء الدولة: ويتم ذلك من خلال توحيد الجماعة الوطنية على أهداف ومبادئ جامعة وقواسم مشتركة تكون شرطا للقوامة والعيش المشترك السلمي والعمل على استعادة الثقة بين مكونات الأمة بجميع أطيافها. ويتحقق هذا التوافق الوطني عبر الثوابت والأُسس التي تختارها أغلبية المواطنين في المجتمع، والتي يتوافق عليها المجتمع في الخيارات الكبرى، وتجعل النظام السياسي متوافقا مع النظام الاجتماعي ومنظومة القيم المجتمعية والثقافية والحضارية السائدة، فتصبح الدولة بكل سلطاتها تعبيراً عن المجتمع، وتصبح القوى والتنظيمات السياسية متوافقة على ما توافق عليه المجتمع.

3)- العمل تحت مظلة جامعة وكيان موحد (ضرورة تنظيم الحراك): من المهم تجميع الناشطين والعاملين من أجل التغيير في كيان واحد، ليتم توحيد المطالب وتوحيد الخطاب، وهنا تبدو أهمية وجود تنظيم، وهو العامل الأهم في الحراك. والتاريخ لم يسجل أن ثورة ناجحة قامت من دون تنظيم.. فكل الثورات الناجحة على مدار التاريخ كانت تدار وتسير من قبل تنظيم يدير ويشرف على إدارة المعركة مع القوى المعادية.

4)- رفض الوصاية على الشعب: لا يقبل الوقوع في نفس خطأ النظام بممارسة الوصاية على الشعب بفرض قناعات وإيديولوجيات دون المرور عبر الانتخابات أو ممارسة الاستبداد على الشعب تحت شعارات براقة، فالشعب الجزائري الذي خرج منذ 22 فبراير 2019، ومن قبل هذا التاريخ من أجل التعبير عن حريته واسترجاع سيادته كاملة غير منقوصة لا يمكنه أبدا أن يستبدل وصاية العسكر -الذي سيطر على مقاليد الأمور و فرض وصاية مطلقة على الشعب- بوصاية أخرى تفرضها قوى سياسية مهما كانت قوتها و توجهاتها.

5)- الوحدة لا التفرق و التجميع لا الإقصاء:والوحدة بين العاملين من أجل التغيير هو شرط أساسي لتحقيق النصر وخطوة على الطريق الصحيح، لذا لابد من نبذ الحزبية والتحزب ورفض الاصطفاف الإيديولوجي.

فقد عانى الشعب الجزائري من حالة الإقصاء التي مارسها النظام القائم في حقه، وهذا منذ الاستقلال وعرفت الجزائر حالة حادة من الاستقطاب بين بعض القوى السياسية أدى ببعضها إلى المطالبة علنا وخرقا لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان إلى إقصاء تيارات أو أحزاب  تخالفها المنهج والمرجعية.

وعليه، وجب تجميع كل الإرادات السياسية والقوى المجتمعية للمشاركة في عمل يرجى منه أن يكون قويا وفعالا حتى يتمكن من فرض ميزان قوى لصالح الشعب لأجل فرض حلول تؤدي إلى تحقيق دولة الحق والعدل والقانون والحريات الديمقراطية.7

6)- الإدراك الصحيح لطبيعة الصراع ومنهج التغيير: لا بد من اعتماد المنهج الثوري و ليس الإصلاحي فلا يوجد في هذا النظام ما يمكن إصلاحه فليس من الحكمة والسياسة تبني "خطاب معارض" لنظام كهذا، بدلا من تبني "خطاب ثوري" يدعو لاقتلاع هذا النظام من جذوره، وإعادة السيادة للشعب كي يختار من ينوب عنه، ويمثله (بحق) في إدارة البلاد.

لا بد من إحداث قطيعة مع النظام الديكتاتوري الغاشم وعدم الاعتراف بشرعية العمل ضمن أطره وحدوده، مع الاقتناع التام باستحالة تحقيق التحول الديمقراطي واستحالة التخلص من النظام الديكتاتوري الاستبدادي الشمولي ضمن الأطر والأدوات التي تسمح بها السلطة القائمة والإطار السياسي والقانوني التي توفره.

7)- تزويد الثورة بمراجع ووثائق: المراجع هي بمثابة دليل للناشطين ومرشد العاملين من أجل التغيير تضع الخطة وتوضح الرؤية وتحدد  معالم طريق الكفاح من أجل تحقيق أهداف الحراك والثورة الشعبية. وأعتقد أن الثورة تحتاج إلى ثلاث مراجع أساسية تتمثل في أرضية سياسية جامعة وإستراتيجية واضحة المعالم لإدارة الصراع مع النظام وميثاق شرف أخلاقي الذي يضبط العلاقة بين الناشطين والعاملين من أجل التغيير ويضع آلية حضارية في فض النزاعات المحتملة.

 8)- تَمَثُّل أخلاق وسلوك الثوار: على الجيل الحاضر الذي أخذ زمام المبادرة لإزالة النظام الديكتاتوري وإنهاء حكم العسكر الاستلهام من أخلاق جيل نوفمبر والأجيال التي سبقته والمتمثلة أساسا في التضحية والإنفاق بالمال والوقت، والترابط بين الغاية والوسيلة بأن تكون الوسائل في مستوى الغايات المراد تحقيقها، وأن تكون نظيفة وشريفة شرف الغاية التي نصبو إلى تحقيقها مع الثبات على المبدأ والنصرة والموالاة بالتناصر بين أفراد وناشطي الحراك والصبر على البلاء مع موافقة القول للعمل، وهذا بأن تكون سريرتنا كعلانيتنا، فضلا عن وجوب نظافة اليد في من يتصدر المشهد وعدم تورطه مع منظومة الفساد أو الاستبداد وبكل تأكيد الإخلاص وصدق النوايا ونكران الذات بإعلاء المصلحة العليا للبلاد ورفض الزعامة وتقديس الأشخاص.

الفرص التي تتاح للشعوب لا تتكرر في كل الأوقات، لذا وجب بذل الجهد لتحقيق شروط النجاح وإزالة عوامل الفشل، فإن لم نفعل فسنبكي كالنساء على ثورة لم نحافظ عليها كالرجال.

قراءة 353 مرات آخر تعديل في الجمعة, 13 نوفمبر 2020 10:17