الثلاثاء, 17 نوفمبر 2020 21:51

الوطن من الأشخاص إلى المؤسسات مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يُعْرَفُ الوطنيون الملخصون بالصدق مع الوطن، وشاهدها التضحيات التي يقدّمونها لخدمته، لهذا يعرف الوطني بالوطن، وليس العكس، أي لا يُعرّف الوطن بالأشخاص، لأنّ الوطن فكرة ورسالة ووظيفة ومهمّة، فضلا عن كونه أمانة الشهداء، فكلّ من حافظ على هذا الوطن وعيا ومهمّة ووظيفة وجودية يصحّ نَسَبُه إلى الوطن، لهذا من يربط الوطن بالأشخاص عوض الأفكار والرؤية يريد أن يستدعي العقليات الجاهلية في النظر إلى مسألة الوطن، ومن قَبِلَ هذا المنطق سيستبدل صنما بصنم أو شلّة بأخرى أو عصابة بشبيهتها.

الوطن أمانة الشهداء، ورسالة ينبغي تحميلها الأبناء والأحفاد، ومسؤولية النزهاء عظيمة في الحفاظ على حبّ الوطن حيًّا في الضمائر ومستودعا في السرائر، ومسؤولية المثقف المناضل المرابط في قلعة الوعي السياسي والثقافي العام كبيرة في ظل السير المرتبك بالوطن في وجهات متباينة، تتضارب فيها الآراء في اليوم الواحد تضاربا كُلِّيًّا، يبلغ مستوى التناقض الصارخ في الرؤى والمواقف، أي تصل حد فصل يسمى "شتيف"، فلا هو شتاء ولا هو صيف على المستوى القرار السياسي الرسمي في الوطن.

ومَرَدُّ هذا الأمر إلى غياب الرؤية التي تستشرف أفق رسالة الشهداء وتعمل على تحقيقها في السياسة "الوطنية"، ومبعث هذا التناقض في القرارات أنّها ليست مبنية على رؤى علمية وعقلية مؤسسية، بل تتبع الأشخاص، ومن سار في فلكهم من الخَدَم والمنتفعين، لهذا كان التزاحم بينهم بعنوان مصالح الوطن، والوطن لا صلة له بالتنازع الذي بينهم، وشاهده أنّ من غلب وتمكّن من الوصول إلى مراكز القرار يَعمد إلى تصفية من كان في مقدّم القيادة السالفة، وهكذا دواليك كلّما ظهرت قيادة جديدة أتت على سابقتها، ويعملون في كلّ فترة على تجنيد بعض الشعب ضد الفصيل المناوئ أو المحتمل أن يكون كذلك.

وتجدُ هذه السياسات أنصارا من "الطيّبين" في كلّ مرحلة من المراحل، ولو دقّق الطيّبون في المسألة للاحظوا أنّهم يستعملون كواقيات صدام في تزاحم سياسي ليسوا طرفا فيه، وإذا كانوا يجهلون واقع التدافع السياسي بين الممكنين وقتيا من مراكز القرار فهذا فظيع، والأفظع منه أن يتجنّدوا في هذا التدافع مع علمهم بمصبّات هذا الصراع ، والتي هي في الغالب صراع نفوذ الشلل. مصبات الذهاب بالوطن بيّنة من خلال الممارسات الفكرية والسياسية لجملة المشاريع المتدافعة فعليا، ولعلّ أهمّها تلك التي لها ظهير شعبي قوي، تمتاز بمصداقية نضالية لها شواهد واقعية تتجلى في حياة الأفراد والمجتمع.

يرى فريق مُعْتبر أنّ الظروف الأخيرة تسير بالبلد نحو تمرير مشروع الاستعمار السرّي، والأفدح منه أن تجد من يصرّح بالمرافعة عن هذا المشروع بشكل مفضوح بعنوان المدافعة عن الجزائر الجديدة، وهو نوع عود الاحتلال بشكل معاصر ليّن ناعم، فالوطن بهذا الشكل يسير في طريق مجهول العواقب الوقتية، معلوم العواقب النهائية، ذلك أنّ الدول التي لا تستند إلى قوى سياسية لها ظهير شعبي قوي، تسير نحو توترات لا قِبَلَ لها بدفعها ولو بعد حين، لأنّها تفتقد لعقلية مَأْسَسَة الدولة، وتتشبّث بعقلية تابعية الدولة للأشخاص أو العُصَب.

وهؤلاء باختيارهم هذا المسلك مع ميلهم إلى التخفّي بوسائل سياسية مقبولة شعبيا، يعلمون -بهذا الاختيار- أنّهم يقدمون على أمر غير مقبول مجتمعيا، وهو ما يفسّر إيثار عدم التصريح بأنّهم يحققون حلم الاستعمار بوسائل وطنية، لهذا يستخفون ويبعدون الأنظار عن مشروعهم الحقيقي، ولكنّه مكشوف في كلّ تصرّفاتهم وتحالفاتهم السياسية، ويعريّ مقاصدهم الجهة التي يركّزون على محاربتها، والتشكيك في مواقفها ورؤاها.

إنّ الفشل الوطني العام والشامل يتجلى في العجز الجماعي عن الخروج بالوطن من التمحور على الأشخاص إلى دولة المؤسسات التي لا تتأثّر بغياب الأشخاص، ولا تضطر لاستبدال شخص بآخر نمجّده بدلّ المُمَجَّد السابق، نحن بحاجة إلى ثقافة دولة المؤسسات التي لا تزول بذهاب فلان أو علاّن، دولة ثابتة راسخة برسوخ مؤسساتها، لا بغلبة جهة على أخرى، أو بنفوذ المال والأعمال ومن رضي بتقديم العون لهم، المتبشبّثون بهذا المسلك في التعامل مع الوطن يقترفون جُرْمًا فظيعا في حق الوطن، وأفظع منه أن تتجنّد بعض "النخبة السياسية والثقافية" للمرافعة عن دولة الأشخاص عوض المرافعة عن دولة المؤسسات، كان منتظرا من هذه النخبة صناعة وعي بأهمية دول المؤسسات للحدّ من التوترات وهي الشرط الأساسي للإقلاع النهضوي المأمول، عندما نحقق دولة المؤسسات نحقق دولة لا تتغوّل فيها بعض مؤسسات الدولة على الدولة نفسها، ومن نافلة القول أن تقبل دولة المؤسسات أن تكون تابعة للأشخاص عوض أن يكون الأشخاص تابعين لها.

قراءة 118 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 17 نوفمبر 2020 22:04