الأربعاء, 18 نوفمبر 2020 11:02

نظرة نقدية لكبرى التنظيمات بعد الانفتاح السياسي في الجزائر (1989) مميز

كتب بواسطة : محفوظ بـــدروني /نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد

التنظيمات الحركية والسياسية التي ظهرت على الساحة السياسية إثر الانفتاح السياسي في الجزائر(1989) لم تكن وفية للمبادئ التي رفعتها ومنطقية مع الأفكار والتصورات التي تبنتها ومنسجمة مع الأخلاق التي ارتضتها بالرغم من الحجج الواهية التي تذرعت به مثل الضرورات الأمنية، غلبة العمل والنشاط، التحديات الخارجية. فالتنظيمات هي أداة ووسائل لتحقيق غايات نبيلة وأهداف مشتركة عامة وتعمل بالأساس على أن تكون بديلا للأنظمة السياسية القائمة التي فقدت مبررات وجودها واستمرارها. وتتجلى مظاهر النقص والسلبيات في التنظيمات الحركية والسياسية فيما يلي:

1°)- انعدام الإطار المؤسسي في البناء التنظيمي:

ويتجلى ذلك من خلال انعدام الشورى وسيادة روح الاستبداد وعدم تنظيم انتخابات للمناصب القيادية والقاعدية وانعدام الإطار القانوني المؤسسي بالنظر إلى تأسيس العمل على الأشخاص لا على المؤسسات وانعدام العمل الجماعي المقنن على كل المستويات وعدم وجود ضوابط محكمة وقواعد ثابتة تحكم المؤسسات وفقدان آلية لضمان الانضباط والفصل في النزاعات وانعدام الشفافية في التسيير المالي، وكذا عدم إجراء مراجعة داخلية وتقييم دوري. هذه الحالة هي نتاج عدم وجود قيادات مؤمنة بقيمة مشاركة أعضاء التنظيم مشاركة فاعلة، ولديها القدرة في الوقت نفسه على تحريكها وإتاحة الفرصة لتناميها، أوعلى الأقل الامتناع عن تحجيمها أوتوظيفها مصلحيا، وكذا بسبب الانشغال بالسياسة أوبالوصول إلى السلطة والحكم في أقرب الآجال أكثر من توجيه الجهد الحقيقي والفعال نحوتغيير المجتمع.

2°)- عدم تطابق الحال مع المقال:

وهذا من خلال عدم تطابق المبادئ والشعارات المرفوعة مع الممارسات والأفعال، وذلك بعدم إقرار مشاركة القاعدة في اتخاذ القرار، وانعدام الحوار والنقاش الحر داخل التنظيم، وفقدان الديمقراطية الداخلية، مما أدى بها إلى وقوعها في تناقضات عديدة، نذكر منها: المطالبة بتوسيع قاعدة الشورى على مستولى النظام السياسي والمطالبة بالانتخابات الحرة والنزيهة للهيئات والمسؤوليات للنظام الدستوري وانعدام ذلك داخل التنظيم، والمطالبة بضمان حقوق الإنسان وتكريس الحريات العامة وانعدام ذلك داخل التنظيم، والمطالبة بشعار الرجل المناسب في المكان المناسب على مستوى النظام السياسي وانعدام ذلك داخل التنظيم، والعمل على إشراك أعضاء من التنظيم في تسيير شؤون الأمة والدولة -بعد انتخابهم طبعا- وعدم إشراكهم في تسيير التنظيم، وذلك بحرمانهم من حق انتخاب القيادات والمشاركة في اتخاذ القرارات.

3°)- قصور في التنظيم وارتجالية في التسيير:

ويتجلى ذلك في انعدام رؤية وتصور وأرضية وخطة وانعدام التنسيق والتكامل في الأعمال، وانعدام إستراتيجية واضحة المعالم في العمل السياسي والعمل العام، وعدم انجاز دراسات وبحوث حول الواقع السياسي الداخلي والخارجي، الاقتصادي والاجتماعي، الإداري، التشريعي، وعدم استشراف العوائق والتحديات والمخاطر وعدم امتلاك رؤية وأرضية واضحة المعالم لتغيير النظام السياسي وقصور تام في الناحية الإعلامية والانشغال بالعمل اليومي بدل من تنفيذ خطة بمراحل (قصيرة المدى، متوسطة المدى وبعيدة المدى) وعدم وجود قواعد هادية للاسترشاد بها في العمل، وعدم القدرة على استيعاب الكفاءات والمواهب وضعف النبض التنظيمي بين القيادة والقاعدة والتشابك بين التنظيم-الإطار والمنظمات المتخصصة (نقابات، تنظيمات طلابية، جمعيات أهلية...).

4°)- إعمال نفس ممارسات النظام المراد تغييره:

ويظهر ذلك جليا من خلال تأسيس العمل على الأشخاص لا على المؤسسات والولاء للأشخاص وليس للمبادئ، وطغيان النزعة الحزبية وبناء العلاقات التنظيمية على المجاملة والطاعة العمياء والمزاج والعلاقات الشخصية والاعتبارات الجهوية وشيوع النزعة التسلطية (سيطرة القلة على العمل واتخاذ القرار) والاستحواذية (النقابات ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات...)، وعدم التقيد بأدب الخلاف وبروز ظاهرة الزعيم الأوحد الذي لا يعارض باعتباره لا يخطئ وسيادة المنطق الفرعوني عند الزعيم (ما أريكم إلاّ ما أرى) و(أنا التنظيم) والقيادة مدى الحياة والتعامل مع المنتمين للتنظيم كأتباع وليس أعضاء لهم كامل الحقوق.

كما تجلى أيضا من خلال تسرب عناصر تفتقد لشروط ومواصفات القيادة، بل حتى عناصر مندسة تعمل لصالح أجهزة النظام وتهميش الكفاءات والفعاليات والقدرات وتأخيرهم وتقديم المتزلفين والممالئين والمجاملين على حساب الحق والصواب حفاظا على مصالح القياديين ومواقعهم ومناصبهم وغلبة المجاملة والاستحياء من القيادة ومسايرتها في كل شيء واعتبارها معصومة من الخطأ واعتبار كل ما جاء منها هو عين الصواب واعتبار كل من يقدم نقدا للتنظيم أو لتصرف أو لموقف هو عنصر مشاكس أو مشاغب وجب إبعاده وإقصاؤه وتصفيته حركيا وانعدام التخصص (لجان ومستشارين) والادعاء بامتلاك الحقيقة والحق والصواب وأنّه لا يمكن تصور تحقيق التغيير إلا على يد التنظيم وليس بالاشتراك مع الغير.كما انغمس عدد كبير من أعضاء هذه التنظيمات في الفساد وتورطوا في أوحاله عندما فتح لهم النظام الأبواب مشرعة في مختلف المجالات.

5°)- ضعف التكوين:

إنّ الذي لا يتكون ويتعلم يفقد شيئا فشيئا القدرات والمعارف بسبب انشغاله بالعمل اليومي المتواصل ولذلك أضحى التكوين في التنظيمات السياسية ضرورة أساسية لا غنى عنها. وقد ظهر ضعف هذه التنظيمات في هذا المجال في انعدام دورات تدريبية وتكوينية للعناصر المنتمية إلا نادرا والاعتماد على جهود الأفراد في هذا المجال وليس على خطط تكوينية معتمدة سلفا من قبل التنظيم لرفع مستوى فهم وأداء أعضاء التنظيم وكما ظهر هذا الضعف في بناء الخطط التكوينية على أسس غير سليمة (البدء بالتفصيلات قبل العموميات، عدم مراعاة قدرات المتلقين واستعداداتهم وتخصصاتهم...).

واستنتاجا مما سبق ذكره، فإنّ كل هذه السلبيات والأخطاء ومظاهر القصور أدت في النهاية إلى وصول التنظيمات إلى حالة تتشابه كثيرا حالة النظام السياسي المترهل والمتعفن، وأدى هذا إلى خروج واستقالة عدد كبير من الأشخاص ذوي الكفاءة والقدرة والأهلية لعدم رضاها على الوضع وحالة التنظيم وظهور حالة من انعدام الثقة في هذه التنظيمات التي استطاع النظام ترويضها واختراقها وجرها إلى خدمة أجندته وسياسته. وكل ذلك أدى في النهاية إلى تحلل هذه التنظيمات وضعفها وانهيارها من حيث أنها لم تستطع أن تشكل بديلا للنظام القائم بل أضحت تشكل عبئا على المجتمع السياسي وعلى الشعب.

المزيد في هذه الفئة : « الوطن من الأشخاص إلى المؤسسات
قراءة 438 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 18 نوفمبر 2020 11:21