الجمعة, 18 ديسمبر 2020 18:02

ظهور "الرئيس" وأبجديات المرحلة ومعايير التغيير مميز

كتب بواسطة : د.محمد عقبة القاسمي / طبيب وكاتب

دعونا من الأوهام..صنع القرار السياسي ومحددات الإرادة السياسية لا تزال بيد السلطة الفعلية. عندما  تقرر هذه السلطة بأن تطبق المادة 102 فسيرن الهاتف في المجلس الدستوري، وعندما تريد أن تعطلها فستتعطل، وعندما تريد أن تمشي إلى مرحلة انتقالية فستكون مرحلة انتقالية؛ وسينقلب خطاب نخب "الكاسكروط" والواجهة آليا لممارسة وظيفة التبرير والدمغجة، وستتفعل لغة العاطفة والشعبوية على أوسع نطاق.

ظهور تبون -شفاه الله- ليس مؤشرا جديدا ينفذ إلى عمق المشكلة، لأن أصولها واحدة  أي  غياب الإرادة السياسية والنية الحقيقية للانفتاح على التغيير السلس الذي يبنيه حوار توافقي جاد. "جاد" معناها أن السلطة الفعلية مستعدة للحوار من أجل تنازلات بضمانات لها..هذه هي الجدية، أما الباقي كله مضيعة وقت خطيرة تصب في غير صالحنا جميعا، فالعالم يتغير بسرعة من الناحية الجغرافية سياسية والاقتصادية والطاقوية، ونحن لا نزال نحوم حول نقطة الإقلاع، كأننا لا ننتمي إلى التاريخ والجغرافيا.. ظهور الرئيس ليس مخرجا من أزمة كنا نعيشها،  لعله مخرج لأزمة السلطة الفعلية في افتقادها واجهة سياسية طيّعة ناعمة، ووقوعها في فراغ يرجعها إلى المربع الأول.

الأزمة الكبرى الحقيقية أن تدار البلاد بمعزل عن كفاءاتها وإطاراتها ونخبها، وتقبع عند ثلة من فاقدي أهلية  التفكير الإستراتيجي، وثلة من صناع قرار يخافون تسليم السلطة إلى شعب، يعتقدون أنه لا يحسن صنع حاضره ومستقبله، كما قال أحدهم (نعطوها للذر تلعب بيها)، وهو من كان ليسلمها لعهدة خامسة متفسخة الفساد كانت لتقضي على ما تبقى من الدولة!

عبد المجيد تبون رئيس  يملك مشروعية الأمر الواقع، كانت له فرصة  بناء جزء من الشرعية بأن يتحلى بالشجاعة اللازمة للانفتاح على الشعب، والاستفادة من صلاحياته (الإمبراطورية) في دستور بوتفليقة ليبدأ في مسار تغيير حقيقي وجذر، لكنه أثبت فشله في مهمته السياسية الأولى والعاجلة، ولم يفلح في خلق فضاء سانح للتغيير، وتبين أنه لا يملك تأثيرا فعليا في مسألة تحرير العدالة، ورفع الضغط على الإعلام وتحريره من نمطية الخطاب الأحادي الديماغوجي، وانفتاحه على المعارضة والآراء الناقدة، وضمانته حرية الناس في التعبير عن رأيها السياسي عبر وسائل التواصل دون خوف من سجن تعسفي.

كما أثبت أن إدارته فاقدة للرؤية والنجاعة اللازمة لتسيير المرحلة، ابتداء من آلة حكومية ثقيلة فيها أكثر من أربعين وزيرا، متشعبة الوظائف، إلى الإكثار من التعيينات واستحداث الهيئات غير الوظيفية، بل ما يمكن تسميتها بالعبثية، مثل وسيط الجمهورية، ثم الفشل في إدارة أزمة الكورونا، حيث تُرك الشعب وحده أمام مصيره، دون إقحام مؤسسات الجيش التي تملك العتاد والتنظيم والميزانية لمواجهة أزمة كبرى تشبه حالة الحرب، مثل بناء مستشفيات ميدانية للتكفل بالمصابين، وتجنيد أفراد الجيش الوطني لهذه المهمة.

وأخيرا، مسألة تعديل الدستور وإظهارها كأنها عملية مصيرية لبناء الجزائر الحديثة! مما يدل أن العقل السياسي فاقد لمفهوم التغيير والدولة والمنطق السياسي حتى لا نتكلم عن أمور أخرى. إن الأزمة أكبر من تبون والعسكر ومكونات الحراك!

وهذه الأزمة تستدعي تجردا وشجاعة وقدرة على التضحية وإظهار الحقائق بحقيقتها وعلى أصولها، وليس من قبيل "نحن عندنا أحسن منظومة صحية..أحب من أحب وكره من كره"، فشعبوية الخطاب والكذب على الذات وعلى الشعب لن تؤسس سوى لمضيعة الوقت وفقدان الثقة، لأن المنظومة كلها متعطلة سياسيا وصحيا واقتصاديا، ولا يزيدها الكذب إلا تخلفا وتفككا، وما ظهور الرئيس سوى عبرة لمن يهرف كذبا بما يعرفه كل الجزائريون وخبروه ويعيشونه في يومياتهم..

الرئيس تحدث عن "جزائر قوية" وعن الانتخابات، ولقد أظهر لنا التاريخ القريب أن الانتخابات ليس لها علاقة بقوة البلد، فالمؤسسات المفرغة من شرعيتها السياسية والنخبوية والشعبية، التي يفرزها واقع متصدع مستقطب، ستكون خطرا على وحدة الجبهة الداخلية وتماسكها، مثلها مثل الهباء سيندثر مع أول ريح عاصف، وكم هي كثيرة عواصفنا في الداخل والخارج.أتمنى من خالص قلبي أن يعتبر الرئيس العائد من الموت، لينجز مهمة أخيرة في صالح البلد، وأن يمتلك القدرة على التضحية والمواجهة..في مهمة آخر فرصة، وسننظر إن كان حقيقة قد اعتبر من الموت بعد أن زاره عن كثب.

قراءة 216 مرات آخر تعديل في السبت, 19 ديسمبر 2020 12:34