الخميس, 24 ديسمبر 2020 12:07

ثَوْرَتَان وجنرال وفرصة ضائعة مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

من المؤكد أن سنة 2019، ستبقى راسخة في أذهان الجزائريين لعقود طويلة بسبب الأحداث التاريخية التي شهدتها البلاد بانطلاق الحراك الشعبي في 22 فبراير والذي أجبر رئيس الجمهورية السابق على الاستقالة، ثم الأحداث السياسية الكثيرة والمتشعبة التي شهدناها خلال تلك السنة.

في هذا المقال، أُجادل بأننا حتى نفهم ما حصل في 2019، السنة الاستثنائية التي ستبقى راسخة في أذهان الجزائريين لعشرات وربما مئات السنين؛ علينا أن ندرسها من خلال مقاربة أن ما حصل في الدولة والمجتمع الجزائري في تلك المرحلة: هو ثورتان، لا ثورة واحدة. الثورة الأولى، تلك التي رأيناها جميعًا بأعيننا وشارك فيها الكثير منّا، بحيث خرج الشعب الجزائري منذ 22 فبراير كل الجمعة بطريقة سلمية حضارية وفي مختلف أنحاء البلاد وشملت 48 ولاية، والتي شارك فيها النساء والرجال والطلبة والعمال والكهول والشباب؛ ولم تُرفع خلالها الشعارات الجهوية أو العنصرية أو المطالب الفئوية، وهو ما يجعلها بحقّ أعظم حركة وطنية شعبية منذ الثورة التحريرية.

لكن الظاهرة التي غفل عنها كثير منا، أو ربما أردنا تجاهلها عن قصد لأنها لا تخدم تصوّرنا المسبق حول الدولة والجيش في الجزائر، هو أن هنالك ثورة قد بدأت بالفعل قبل الحراك الشعبي بخمس سنوات أو أكثر، وكان بطلها قائد الأركان الراحل أحمد قايد صالح. كانت الدولة والمجتمع الجزائريان -بلا شعور- يشهدان ثورتيْن متوازيتيْن في نفس الوقت، ربّما غطّت إحداهما على الأخرى بسبب زخمها الشعبي وصورها البهيجة الاستثنائية، ومظاهر السلمية والتآخي والتآزر بين مختلف أنحاء الوطن، والشعارات المعبّرة والمؤثرة التي كان يحملها المتظاهرون كل جمعة، والإصرار على الثبات رغم حرارة الصحراء أو عطش رمضان أو دعاوى التيئيس وبث الفتنة.

الثورة التي أطلقها القايد صالح بدأت قبل الحراك بسنوات، وقد يختلف البعض عن تاريخ بدايتها بالضبط، لكن بلا شك أن إحدى كبرى المحطّات التي شهدتها كانت إقالة الجنرال توفيق سنة 2015 بعد 30 سنة من خلوده في المنصب؛ وتلت تلك الإقالة حملة ضخمة من الإقالات والاعتقالات، شملت قادة النواحي العسكرية، وقيادات الدرك والشرطة وعشرات المسؤولين في هذه المؤسسات الأمنية. هذه الحملة من الإقالات والاعتقالات التي بلغت ذروتها في صيف 2018 وصفتها الصحافة بأنّها "الأكبر منذ الاستقلال"، وليس من المبالغة تسمية تغييرات بهذا الحجم بـ"الثورة".

لا يصنع البشر أقدارهم بأيديهم دائمًا، بل تصنعهم أقدارهم أحيًانا، فيضعهم التاريخ في لحظة سياسية مفصليّة شديدة الخطورة، وفي موقع استثنائي لصناعة القرار، فيجدون أنفسهم فجأة هم سادة المرحلة حتى دون وجود سوابق بطولية في سيرتهم؛ فيتحوّلون إلى صانعين للتاريخ ويبقى أثرهم خالدًا لسنوات طويلة. يمكننا هنا استحضار سيرة نابوليون بونابارت، هذا الضابط المغمور في الجيش الفرنسي الذي قادته الأقدار إلى سلسلة من الانتصارات على البريطانيين ليصبح إمبراطورًا على فرنسا في سنّ الثلاثين فقط؛ وفي سياق سياسي وتاريخي شديد الاستثنائية بعد الثورة الفرنسية، كان يشهد تغيّرات عميقة في أوروبا، استطاع أن يحمل لواء هذه الثورة وينقلها إلى أوروبا من خلال الحروب الهائلة التي قادها في القارة.

"ظاهرة نابليون" كانت التقاء شخصية عبقرية وطموحة، مع ظرف تاريخي وسياسي متمثّل في الثورة الفرنسية، ممّا تسبب في تغييرات عميقة في القارة الأوروبية كلها، بل في العالم. لسنا هنا بصدد القراءة الأسباب والنوايا التي دفعت قائد الأركان إلى هذه التغييرات الكبيرة، فسواء كانت من أجل مصلحة البلاد أم مجرد حرب أجنحة، الواقع أن هذا الحجم التاريخي من التغيير داخل النظام يمكن اعتباره بلا مبالغة ثورة من الداخل.

رأى القايد صالح في الحراك أوّل الأمر، تشويشًا على ثورته التي أطلقها من داخل النظام، أو ربما مناورة من مناوئيه في المخابرات من خلال اصطناع حالة احتجاجية تُطيح به وببوتفليقة معًا. وأيًا يكن، فإن رحيل بوتفليقة كان سيشكل بلا شك عرقلة لمشروع قايد صالح ودفعًا بالبلاد وبمشروعه إلى المجهول، فقائد الأركان يحتاج إلى واجهة مدنية تسيّر الشؤون اليومية للدولة، وتتركه يواصل ثورته الجبّارة داخل جهاز الدولة، وتُريحه من اتهامات الانقلاب العسكري، بالإضافة إلى ولائه التاريخي لبوتفليقة الذي انتشله من غياهب النسيان وصنع منه قائدًا للجيش.

بالعودة إلى التقاطعات التي حصلت بين الثورتيْن لم تحظ في غالب الأحيان بالاهتمام والملاحظة والدراسة الكافية، بشكل رئيس من معسكر قائد الأركان، ففي حين كانت القيادة العسكرية تعمل على إفراغ الساحات من المتظاهرين وإدخال الناس إلى منازلهم بحجّة انتهاء الحراك بعد استقالة بوتفليقة، كان المتظاهرون في الشوارع -ولو بصفة ضمنيّة- يهلّلون لقرارات العدالة (المدفوعة من طرف القيادة العسكرية بلا شك) بسجن رموز الفساد والنهب؛ إذ هلّل الكثيرون بقرار اعتقال أويحيى ووزّع الناس على الملأ فيما بينهم علب "الياوورت" تعبيرًا عن فرحهم بهذا القرار، رغم أنه صادر عن ذات السلطة التي خرجوا للتظاهر ضدّها.

انحرافات خطيرة شابة سلوك القائد جعلت الفجوة بينه وبين الحراك الشعبي تزداد اتساعًا: اعتقال المجاهد الرمز لخضر بورقعة والطعن في جهاده على وسائل الإعلام العمومية، نعت المتظاهرين بالشرذمة، التعامل مع إشكالية الراية الأمازيغية بالقوة الخشنة بدل معالجتها معالجة سياسية وثقافية واجتماعية. كلها كانت أخطاء فادحة قلصت حظوظ التقاطع والاتحاد بين الثورتين وجعلتهما في صدام لا طائل منه؛ وبدل حصول نوع من أنواع المساومات والتنازلات بين طرفيْن، ساد الانسداد المشهد ورأى في الحراك في الجنرال تجسيدًا للطبقة العسكرية التي حكمت البلاد منذ الاستقلال.

من المؤكد أنه لا يمكن لوم الحراك الشعبي على نظرته المتشككة وحتى العدائية للقيادة العسكرية، فطيلة سنوات مديدة منذ الاستقلال، وبالخصوص منذ انقلاب 1992، ترسّخ في أذهان الشعب أن الطبقة العسكرية الحاكمة تتحكم في السلطة والثروة دون وجه حقّ، وأصبحت مصطلحات مثل "نظام الجنرالات" أو "الجنرالات بانان" و"الجنرال سكّر" في إشارة لاحتكار شخصيات بعينها للاقتصاد؛ مؤشرات على سخط شعبي اتجاه قيادة الجيش، التي جسّدها قائد الأركان في تلك اللحظة المفصلية؛ فالسخط كان يتراكم لسنوات، وجاء قايد صالح ليدفع الفاتورة الجاهزة، دون أن يكون بالضرورة مسؤولاً عن هذه الفاتورة بأكملها.

وقد دلّت كل هذه الأخطاء الكارثية في التسيير على أن قائد الأركان الذي انظمّ لثورةٍ في شبابه وأشعل أخرى في شيخوخته، لم يكن بإمكانه أن يلعب الدور التاريخي الاستثنائي المنوط به، والذي كان من الممكن أن يجعله الأب المؤسس للدولة الجزائرية في شكلها الجديد؛ وبسبب ذلك أضاعت الجزائر فرصة ثمينة قد لا تعوّض من أجل إعادتها إلى واجهة التاريخ وإخراجها من مأزقها الوجودي.

ثلاثة عوامل في نظري، حالت دون لعب قايد صالح هذا الدور التاريخي الذي كانت كل الشروط مُهيأة له للعبها:

العامل الأول هو البيولوجيا، فالرجل الذي شارف على الثمانين من عمره كان مفصولا عن واقع القرن الحادي والعشرين، عصر السرعة والتكنولوجيا والتواصل الاجتماعي، وبقي يكرر خطابات ملؤها لغة الخشب، تنتمي إلى عهد الستينات والسبعينات، وجاء القدر ليضع حدا لهذه المسيرة ولهذه الثورة في 23 ديسمبر 2019.

العامل الثاني هو الإنتلجانسيا: أو غياب الثقافة السياسية لدى الجنرال القوي. فمن الواضح، من خلال خطابات قائد الاركان وتحركاته، غياب أية قراءة تاريخية ومنهجية للمرحلة الفارقة التي تمر بها البلاد، وتغلّب الفكر العسكري الأمني الحدّي على الحس السياسي الفكري لدى الرجل، فليس في حقله المعجمي مجال لمصطلحات مثل الانتقال الديمقراطي أو التوافق الوطني أو الحوار الجامع، فالقوّة الخشنة هي في النهاية مجرد أداة فقط من بين عدّة أدوات لتحقيق الغاية السياسية، وليست هدفًا في حد ذاتها أو وسيلة للحكم؛ وهو ما عجز عن إدراكه الرجل العسكري الذي أمضى حياته كلها داخل نظام عسكري صارم، جعل تفكيره -كأيّ عسكري- يرى أي صراع أو أزمة بمنظور حربي، ففي الحرب لا يوجد سوى تحييد قوّة العدو والإجهاز عليه، بينما السياسة هي ساحة للتوافق والأخذ والعطاء والليونة أحيانًا والخشونة أحيانًا أخرى والحفاظ على "شعرة معاوية" مع أكبر قدر من الأطراف المتنازعة.

العامل الثالث هو غياب الفريق السياسي الاستشاري من أشخاص أكفاء حول الرجل، فمن خلال نوعية خطاباته وقراراته الارتجالية، يتضح غياب الرؤية السياسية وسوء صناعة القرار في محيطه، واتّسمت أغلب القرارات الصادرة في مرحلة تصدره المشهد ارتجالية مستعجلة وغير مدروسة.

قراءة 596 مرات آخر تعديل في الخميس, 24 ديسمبر 2020 12:18