السبت, 20 فيفري 2021 11:40

الحراك والحياة السياسية الراشدة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

صلاح العمل السياسي الوطني وفعاليته مستمدة بالمقام الأول من صلاح طريقة استحضار الشعب للحياة السياسية، وفساد الحياة السياسية له صلة وثيقة بالاستبعاد الحقيقي للشعب عن المساهمة في القرار السياسي إنشاءً وتنفيذا ومراقبة، و...، لهذا فإنّ التحايل المبرمج تأسيسا للمنع الفعلي من تأسيس حياة سياسية بطريقة شفافة، يقررها الشعب حقا وصدقا ويرضاه لتأطير المشهد الوطني، سيطيل الأزمة السياسية، ويفقد الثقة بين المتعاملين السياسيين والشعب.

ويظن بعض كَتَبَة الحواشي على متن الغالب الوقتي أن صلاح العمل السياسي مأتاه طبقة سياسية تقرر نيابة عنه مصيره السياسي، من غير أن يكون للشعب قرار في أصل اعتماد هذه القوى السياسية، لأنّ هذه القوى السياسية التي نشأت بمعزل عن الاعتماد الشعبي، لا قيمة لها في الضمير الشعبي، حتى وإنْ كانت معتمدة لدى السلطة، لأنّ قيمتها تستمد من سندها الشعبي الحقيقي، ذلك أنّ الوضع السنني القائم على الشفافية السياسية أن تكون وثائق اعتمادات القوى السياسية التي تمنحها السلطة معبّرة عن اعتماد الشعب وليس العكس، أي أنّ السلطة تصادق على اعتماد الشعب لقوى سياسية، فلا تكون منشئة بقدر ما تكون ممضية على إمضاء الشعب، والواقع أنّ السلطة سواء كان ذلك قَبْلَ الحراك وبعده بقيت وفيّة لمنطقها لا اعتماد لقوى سياسية غير مضمونة المخارج بالنسبة إليها، ولا يهمّ سندها الشعبي بقدر ما يطلب منها أن تكون سندا للسلطة نفسها، وأكبر مؤشر على ذلك عدد الأحزاب التي اعتمدت منذ 22 من فيفري 2019. 

والذي يتصوّر أن الحراك يقبل بهذه الألاعيب السياسية واهم، ذلك أنّ هذا المسلك لا يفكك منظومة الاستبداد ولا يمنع من تشكّل عُصَب جديد أو متجددة، ومن التجاهل بالسياسية أن نختار أدوات غير راشدة في السياسية طلبا لمحاصيل سياسية راشدة، هذه طريق مُعَبَّدَةٌ لزرع فسائل النفاق السياسي وتنشئة "الذباب السياسي"، ذلك أنّ هذا المسلك يمثّل أحسن حاضنة لتفريخ هذا النمط من الحامدين لسياسة الغالب الوقتي؛ عوض التركيز على تأسيس حياة سياسية ذات قاعدة شعبية حقيقية (ليست وهمية).

وأغلب من يزيّن للسلطة هذه الاختيارات غير السننية وغير الموفّقة سياسيا إمّا أن يكون من الجهلاء بنشأة الدول واستمرارها، أو أن يكون محتكما للهوى الذي ساقه إليه طلب الرغيف أو الرغيف المحسّن، ترقية في وظيف أو طمعا في تحصيله، والتعويل على هؤلاء في تأسيس دولة (جديدة) مثله كمثل من يطلب ما لن يتحقّق لعدم توفّر الشروط (دخول الجمل في خرم إبرة)، وكلّما طال بقاؤهم في مواقع الاستشارة ازددنا بُعْدا عن المطلوب السياسي الذي ينتظره الحراك الوطني السلمي الجامع. السياسية ليست أقوالا مجرّدة، السياسة أكبر براهينها وأوضحها العمل بمقتضى ما نصرّح به، وهذا لا يتحقق ما لم تكن هناك إرادة سياسية واضحة معبّر عنها بالتصرفات وليس بالأماني والأقوال، إذ الاكتفاء بالأقوال دليل قوي على عدم صدقها أو العجز عن تنفيذيها، وفي كلّ ذلك إحالة على أهمية الحراك في تجسيد الأهداف الشعبية العامة (تفكيك الاستبداد والفساد الذي يبادله المنافع والأدوار).

الإصلاح السياسي الحقيقي يتجلى في ظاهر الحياة السياسية، وبحسب صدق النوايا السياسية تصلح الحياة السياسية إذا اتّخذنا الوسائل المحقّقة لمقاصدها وتقدّم لتحقيقها وطنيون مخلصون يمنحون الوطن أنفاسهم وأحسن إبداعاتهم من غير انتظار عوض، ذلك أنّهم يعدّون منتهى السعادة أن يستعملهم الله في خدمة وطنهم وبناء دولتهم وفق أمانة الشهداء، ويخدمون شعبهم من غير يستحوذوا على مقدّراته المادية والمعنوية.

من أراد حلّ أم المشاكل السياسية في الوطن (تفكيك الاستبداد والفساد والإفساد) طريقه سهلة وواضحة، رأسها الثقة بالشعب بعد الله، فتحال الكلمة على الشعب، وفق آليات يرتضيها الحراك الوطني الجامع. وأحسن طريقة لذلك تفعيل الحراك السلمي الحقيقي الذي فهو فرصة سانحة لاستعادة الشعب للدولة، يبنيها وفق إرادته السيّدة من غير وصاية من أحد على أحد، طريقها التجاوب الحقيقي(وليس المموّه) مع الحراك وقواها الحيّة، والابتعاد عن الإلهاء والتشغيب على هذا المقصد، فكلّ إلهاء عن هذا الهدف يعود بالنفع على الممارس للإلهاء ولا يعود على الشعب بفائدة، فضلا عن كونه مضيعة للوقت، وصرف لطاقات البشرية والمادية والمعنوية في غير ما جُعِلَت له، الحراك الشعبي لو وثق الجميع به لكان مبعثا على وقف الفساد والإفساد.

وبيّن مما سلف أنّ الحياة السياسية الراشدة لا يمكن تصوّرها بدون الشعب، وأي حياة سياسية بمعزل عنه لا تعدو أن تكون فرصة لتشكّل عصب جديدة، والذي يتصوّر حياة سياسية دون شعب يختار أن تقوم اليد مقام العقل والقلب، وهؤلاء المسفسطين "كتبة الحواشي على نص الغالب" يتبنون بطريق صريحة حينا وغير صريحة أحيانا كثيرة تولى اليد التفكير في الشأن السياسي، واليد كما هو معلوم تنتهي في آخر أساليبها إلى البطش بالمخالف وخاصة في حالة العجز عن الإقناع، ولا يسوّغ أن تقوم اليد مقام القلب والعقل إلاّ الفشلة سياسيا، وخاصة أولئك الذين لا سند شعبي لهم، ويزيدون الأمر شناعة بالمرافعة عن صلاح اليد للتفكير في الشأن السياسي.

لو قدّرنا بأن ليد الإنسان إرادة مستقلة عن قلبه وفهم عقله وتخطيطه، لكانت اليد مقررة لمستقبل كلّ البدن، ولو رُبِطَ مصير الجسم بقرارات اليد من غير تدخّل لعقل تخطيطا وتقديرا واختيارا للتوقيت والوسائل وأماكن استعمالها وكيفياتها، ومن غير اهتمام برضا القلب وتبنيه لما يُظَنُ أنّ اليد اختارته، فلا ينتظر مساهمة القلب في إيجاد الدافعية للتضحية، هذا إذا قبلنا بأنّ لليد إرادة وتقديرا وفكرا وفهما، وهو خلاف الواقع، وكذلك الوطن، فسيكون لو قدّرنا لليد إرادة مستقلة عن القلب والعقل سببا في انخرام نظام الجسد نفسه، فيكون تفرّد اليد بالقرار سببا في تضييع وحدة الجسم، لهذا إذا كانت اليد التي تمثّل قوى الدفاع مقررة للمصير السياسي للشعب ففي ذلك خطر على سياسة الوطن مستقبله.

قراءة 360 مرات آخر تعديل في الأحد, 21 فيفري 2021 09:22