الأربعاء, 21 أفريل 2021 10:56

عن "الماك" وخطر "الفدرلة" مميز

كتب بواسطة : محمد العريبي / كاتب ومدون

ولأنه كلما أثيرت قضية الماك والبربريست في منطقة القبائل، تمت معالجتها بردود أفعال وتنابز ينقص من جدية الموضوع ويستحضر اصطفافات وخيارات سياسية في العامين الأخيرين، ارتأيت أن أخط هذه الكلمات على شكل رؤوس أقلام تعبيرا عن وجهة نظر وقناعة شخصية بعيدة تمام البعد عن كل تلك المؤثرات:

- مشروع الانفصال هو فكرة ميتة لا مستقبل لها واقعيا ولا تحوز تلك الشعبية وذلك القبول الذي يشكل تهديدا، وليس للمنطقة عمق جغرافي يحميها أمنيا ولا عمق استراتيجي يحفظ مصالحها إذا استقلت، فهي مطلب للمشاغبة ورفع السقف أكثر من أي شيء آخر، حتى لو كان القائمون عليها مؤمنين بها، وخطورتها في كونها حصان طروادة لتقبل مشروع انفصال شعوري ووجداني، ثقافي وهوياتي قد يبدو ظاهريا أهون من الانفصال الجغرافي والسياسي، وهو ما لم تشهده المنطقة طيلة 14 قرنا ونيف من التعايش ضمن الارتباط الديني والانتماء بالأمة العربية والإسلامية.

- "بروباغندا" القومجيين وأدعياء العروبة والبعثيين وجماعة الصفر قبائلي دعاية ميتة هي الأخرى، لا تتجاوز حدود العالم الأزرق وليس لها أي حضور ميداني لا بمسيرات أو تظاهرات ولا بأعلام وإعلام، ولا قطع طريق أو دعم مالي أو خارجي، عبارة عن طرح ظهر فجأة واختفى فجأة بعد أن أعطى قبلة الحياة لمشروع "الرسكلة" لما بعد الحراك، بلغت به السخافة أن يرى المرحلة الانتقالية تُدار من قبل رموز البربريست واللائكيين الذي يدعو لخيار الصفر معهم لكنه فضّل الترويج لأحجية أن المؤسسة العسكرية تستدرجهم لتفضحهم! وهو في النهاية طرح لا يقارن بتاتا مع مشروع الهوية البربرية لا من حيث الحضور والتأثير ولا من حيث الأدوات، والبراءة من الاثنين واجبة.

- استصغار حضور حركة "الماك" وتكرار أسطوانة أنهم أقلية في وسط أغلبية من الأحرار هو جنوح نحو المساحات الآمنة من الأماني، ويفتقد كثيرا إلى الجرأة والشجاعة في التقييم، ورغم أن الأعداد ليست بالقليلة إلا أن المؤشر الحقيقي والخطير هو المجاهرة والمواجهة بالفكرة وأعلامها ونشيدها، والانتقال للمواجهة المباشرة مع الأمن وتحولها مع الوقت إلى فكرة غير مستهجنة كثيرا، والتعود عليها كما لو أنها إحدى ملامح تلك المنطقة أو الاستسلام لها كواقع خاصة مع غياب التدخل الرادع من الدولة.

- لا حاجة لأن أطيل كثيرا في الحديث عن دور السلطة وأجهزة الأمن والقضاء في التصدي لهذه الصعلكة، فالأصل أننا نناقش ونحلل إشكالية عويصة وملفا ثقيلا من مخلفات الحكم البوتفليقي القذر، وتسجيل الأهداف على السلطة بمقارنة تصرفها مع "الماك" بالحراك وإثبات انتقائيتها وانحيازها هو أمر مفروغ منه، والاستغراق فيه كثيرا دون غيره قد يدخل أيضا ضمن الجنوح نحو المساحات الآمنة من التحليل وتشخيص الأزمة. ومازال هناك كلام آخر يحتاج وضوحا أكبر في طرحه وتبيانه.

- صحيح أن المنطقة في عمومها لا تدعو إلى الانفصال الجغرافي، لكنها بداعي التميز الثقافي والخصوصية الاجتماعية أصبحت بيئة خصبة لمشروع "الفدرلة"، وهو الخطر الحقيقي والأقرب للواقع من الانفصال/ وهو الأكثر تقبلا، يُبقي المنطقة تحت حكم وطني جامع لكن بإدارة محلية تلبي ذلك الشغف الثقافي والهوياتي وتحقق جزءًا من الاستقلال عن نظام حكم تصفه الشعارات بأنه (قتّال)! وفي ذلك مؤشرات كثيرة، أبرزها مقاطعة الانتخابات وتشميع المدارس وتكسير الصناديق. وتلك ظواهر أكبر من أن تعالج بالابتهاج بها أو التنديد بهمجيتها، إنها بوادر حكم ذاتي يعززه إصرار من قبل السلطة على انتخابات بأي شكل كانت، ولقاءات متكررة في المنطقة تدعو لمشروع "الفدرلة" والمناطق ذات الخصوصية.

- الخطاب الذي يتبرأ من الحركة الانفصالية لكنه يلصق كل شيء بالنظام وأن قمعه واضطهاده التاريخي هو سبب هذا التطرف وأن الإصلاح يجب أن يكون سياسيا فقط، هو أيضا من الحجج الواهية التي تحمل تطبيعا ضمنيا مع الميول الانفصالية أو المتعصبة ثقافيا، وانهزاما أمامها، فليس في البلد مشروع اضطهد كما اضطهد المشروع الإسلامي حتى من قبل التعددية، ولم تنتهك حقوق الإنسان كما انتهكت ضمن الصراع بين الإسلاميين والسلطة، ولم يبذل أحد ويضحي في سبيل فكرته ونضاله كما بذل وضحى الإسلاميون، ولازالت ملفات من الصراع عالقة إلى اليوم كالسجناء والمفقودين، لكن لا أحد يبرر العنف أو الغلو بتلك الطريقة التي تبرر بها المظاهر العصبية في منطقة القبائل!

- ثم إنه لا يمكن أن نتجاوز حقيقة أن مكاسب القضية البربرية قد بلغت أعلى سقف لها، إقرار الأمازيغية لغة وطنية ثم رسمية دون ترقية وتطوير، وإقرار عيد وطني من لا شيء (دولة تعترف بخرافة)، وقنوات ناطقة بالأمازيغية بلهجة قبائلية دون غيرها من اللهجات، وكلها مكاسب في ظل حكم العصابة واختطاف ختم الرئاسة وفي ظلم حكم غير شرعي يوصف بأنه (assassin)، ودون أي عبور على الارادة الشعبية والاستفتاء .. فماذا بقي؟

- المفروض أن البيئة مناسبة جدا للأصلاء من أبناء المنطقة والغيورين عليها من أن تختطف لصالح مشروع تفكيكي للأمة الجزائرية أن يتدخلوا وتعلوا أصواتهم ويكون هناك حضور ودور للأكاديميين والعلماء والأئمة والجمعيات وتكثيف اللقاءات والحضور بين الناس والنزول للشارع بالفعاليات، وكل الأساليب التي يستعملها البربريست قبل "الماكيست" في الترويج لأفكارهم، من أجل كبح جماح العصبية وضبطها، إن لم يكن بوعي فعلى الأقل انطلاقا من واقعية عظم المكاسب المتحققة وأن ما بعدها لا يأتي بخير !

- لكن الحقيقة هي أن التأثير السياسي والاجتماعي والثقافي والفني وصناعة الرموز في المنطقة يستحوذ عليها "البربريست" من ذوي التوجهات اللائكية والارتباط الروحي بالثقافة الفرنسية سواء كأحزاب وجمعيات أو كأسماء مستقلة وشخصيات ناشطة ليست معروفة وطنيا لكنها تؤدي دور (الجماعات الوسيطة) في ربط المجتمع وبناء تصوراته، وهذا الاختلال في ميزان التأثير لا يعوضه مشهد بعض الزوايا وصور تخريج حفظة القرآن (على فضل ذلك وأهميته)، هذه من الحقائق التي يجب أن نقف عندها في مصارحة ومكاشفة ووتشخيص بدافع الحرص لا بدافع الاستعداء والتشفي.

- نعم نعم.. السلطة أيضا تتحمل المسؤولية بل هي أيضا ضالعة في هذا التشوه بشكل مباشر وغير مباشر في الوقت نفسه، وأزمة الهوية من الملفات المهمة جدا لدى الإدارة الفرنسية لمستعمراتها القديمة ووسيلة ضغط وتأثير لها في الجزائر، ولابد أن يكون لها منفذوها في البلد، لكنني ارتأيت ألا أقف كثيرا عند إثبات ضلوع النظام في هذه الأزمة، لأنه أحيانا يكون من المعضلات شرح الواضحات، ولأن الأزمة أصبحت أكثر تعقيدا ولها أبعاد كثيرة والحل السياسي وحده لم يعد كافيا..!

- نعم، قد أبدو متشائما بعض الشيء لكني أعتقد أن الخرق قد اتسع على الراقع، والقادم ليس مطمئنًا أبدا، وأنه حتى وإن قام نظام حكم يحوز شرعية شعبية قوية، فإن هذا الملف سيكون من أعقد الملفات على الإطلاق ولابد فيه من جهود أكاديمية ومجتمعية وإعلامية ومسجدية على مدى متوسط على الأقل، لذلك كان لزاما المصارحة بما سبق من الكلام الطويل، والله من وراء القصد.

قراءة 236 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 21 أفريل 2021 11:06