السبت, 09 أكتوير 2021 11:39

صناعة الوعي ونشر قيم النزاهة والشجاعة مميز

كتب بواسطة : د. المير يوسف / كاتب وأستاذ جامعي

رغم توقف مسيرات الحراك الشعبي بسبب القمع الممنهج والاعتقالات السياسية، إلا أن سيرورة الحراك فكريا لا تزال مستمرة بل لم تتوقف أبدا، لأن التغيير الحقيقي لم يتحقق، وهو أول وأهم مطالب الحراكيين على اختلاف توجهاتهم وإيديولوجياتهم، ناهيك على أنه مطلب أغلبية الشعب وإن خانها الوعي والحيلة من أجل ذلك.

في البداية، كان الاعتقاد السائد أن المشكلة تكمن في مدى وعي الشعب بالأزمة، وأن المعركة الرئيسية هي معركة تحرير الوعي والمنتصر فيها سيكون المنتصر في تلك المواجهة الحاسمة، ولكن مع تسارع الأحداث ظهر أنه (أي الوعي) يحتاج إلى تعريف دقيق حتى لا تلتبس المفاهيم على البسطاء بل حتى على أولئك المثقفين الأكاديميين الذين يدَعون الوعي وهم بعيدون كل البعد عنه. نعم للأسف الشديد، بين الوعي والوعي الزائف (أو العميق كما كانوا يسمونه) شعرة رفيعة، ومن لا يحسن اختيار مصادره سيسهل التلاعب به واستدراجه ثم شحنه بأفكار لا علاقة لها بالواقع الذي يعيش فيه وبالتالي ينحرف عن أهدافه الرئيسية إلى أهداف وهمية.

زيادة على مشكل الوعي الزائف، والذي قد يبدو بسيطا للبعض، فهم يعتقدون أنهم بعيدون كل البعد عن أخطاره، إلا أنه أحيانا يكون مخرجا معنويا لمن افتقد الشجاعة الأدبية بغض النظر عن أسباب ذلك، فمن اختار الاصطفاف مع الأقوى خشية من بطشه سيحتاج لمبررات وأعذار يُرضي بها ضميره خصوصا إذا عايش ورأى آثار البطش والظلم على من اختاروا المواجهة، هذا طبعا إذا كان فيه بعض من النزاهة والإنصاف، أما من مات ضميره واتبع أطماعه فإنه يتلذذ بمشاهدة أوجاع الصالحين المصلحين فهو يعتبرهم تهديدا له ولمصالحه بعد سيده طبعا. لهذا، فالنزاهة مع الشجاعة عاملان حاسمان في معركة تحرير الوعي، وانعدام أحدهما أو كلاهما يجعل الوعي مكبلا بأطماع الانتهازيين وصائدي الفرص أو بجبن المتخاذلين ومستعظمي الخصوم.

الهبَة الشعبية المتمثلة في الحراك الشعبي كانت ولا زالت من أهم المحطات التاريخية التي يضرب بها المثل في السلمية والاستمرارية، فحققت بذلك هدفها الأول بإسقاط عهدة خامسة استفزت الجميع، ولكنها حققت أهم من ذلك ألا وهو تحرير العقول، فتحرر من أراد وأبى من أبى، ولأن الثاني أبى الحرية فلم ينفع الحر تحرره فانتكست بذلك الهبة الشعبية واستعاد النظام الاستبدادي عافيته مواصلا سياساته مع ادعاء التغيير زورا وبهتانا. وهذا يؤكد أن نجاح هذا النوع من الحركات الشعبية يكمن أساسا في الوحدة التي تعتمد على الوعي الجماعي بوحدة المطالب. وبمجرد الاختلاف يتفرق الجمع ويسهل الاختراق وبالتالي إجهاض الحراك الحقيقي واستبداله بمظاهر خادعة للبسطاء بتحقق المطالب وحدوث التغيير المنشود.

بعد كل هذه الأحداث وما آلت إليه من نتائج، قد يصاب المناضلون بالخيبة واليأس بسبب عدم وصولهم لأهدافهم بإحداث تغيير حقيقي، ولكن على هذه الفئة أن تعي جيدا أن انتصارهم المعنوي يكمن في ثباتهم حتى إن تأخر الانتصار المادي أو لم يعيشوا ليروه يتحقق أمام أعينهم، فالمناضلون من أجل القضايا النبيلة كثيرا ما يقضون دونها أو من أجلها، وهم بذلك يقدمون مثالا وقدوة بالفعل والعمل وليس بالقول والكلم فقط، فهم يعيشون على وفق مبادئهم التي يطالبون النظام بها ويموتون وهم يسعون من أجل ذلك بكل الطرق الممكنة، وإذا ما قُطعت عليهم طريق بحثوا عن طريق أخرى، وكما أن لكل حقل أزهارا، فهناك دائما أولئك المناضلون المميزون الذين يقدمون أموالهم وحرياتهم وأرواحهم دفاعا عن مبادئهم وقناعاتهم وليس من أجل الشعب كما يعتقد البعض، رغم أن ذلك نتيجة حتمية في النهاية وهذا ما يجعل منهم أبطالا يسجل التاريخ تضحياتهم من ذهب.

التاريخ حافل بالثورات وحركات التحرر ومنها ثورتنا المجيدة، وكلها دامت سنوات وشهدت مآسي وتضحيات، وما يهمنا أنها حققت في النهاية أهدافها بالعزم والثبات رغم فارق المعدات والإمدادات، وهذا يمثل حافزا ودافعا لمقاومة كل أشكال اليأس والتثبيط، والتفكير في كل طرق التغيير الممكنة وخصوصا التركيز على هدف واحد بدل تشتيت التركيز في أهداف جانبية أو على الأقل قابلة للتأجيل.

حالتنا تدعو للتفاؤل، فالمؤشرات إيجابية وتؤكد أن التغيير قادم لا محالة، نحتاج إلى الصبر وعدم استعجال النتائج، كما نحتاج إلى توحيد الصفوف بنبذ كل أشكال التفرقة والتعصب والدعوة لمزيد من الحوار المجتمعي من أجل نشر المزيد من الوعي الحقيقي بالأزمة التي نعيشها بالإضافة للعمل الأسري والجواري من أجل تعزيز قيم النزاهة والشجاعة، فإذا ما صارت الأغلبية واعية بالمخاطر التي تهدد الأمة، ونزيهة في أداء عملها وشجاعة في تحمل عواقب ذلك، حينها قد يحدث التغيير المنشود، ولا ينبغي أبدا ربط ذلك التغيير بتاريخ معين، بل على كل مناضل مصلح التحلي بروح المسؤولية تجاه وطنه وأداء الرسالة الملقاة على عاتقه وعندما تحين تلك اللحظة سيلتحق هو أو أبناؤه وبناته، تلاميذه أو طلابه بحركة التغيير.

قراءة 174 مرات آخر تعديل في السبت, 09 أكتوير 2021 11:48