الجمعة, 19 نوفمبر 2021 17:19

دولتنا...الحاجة إلى نضال جماعي مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

الدول كائنات معنوية حيّة، روحها شعبها بقيمه الناهضة بتشكيل وعيه، وفقدها هذه الروح تكون جثّثا هامدة، هي أشبه بالخشب المسنّدة، وهي بهذا تكون كائنات ميّتة مميتة أي في عداد الأموات والمُميتة للمواهب المعطّلة للاستعدادات الفردية والجماعية، المدمّرة مع طول وقت بقائها للإمكانات والمهارات العامة والخاصة...

إذا عاشت الدولة بلا روح كانت تجمّعا بشريا بلا أفق سياسي حقيقي، فلا مطمع في أن تستوعب تطلّعات المجتمع، فضلا عن التعبير عنها في النظر والتدبير السياسيين، ودولة هذا شأنها؛ وسط معطّل للاستعدادات التنظيرية والنقدية الفردية والجماعية؛ وهو جوّ مثالي لانتشار النفاق السياسي، الذي يتدحرج بالمتّسم به -مع الوقت- فيعقل عقله عن التفكير في فحص وتمحيص الخبرة السياسية وتطبيقاتها، وخاصة ما تعلّق منها بممارسات السلطة السياسية المتنفّذة.

تستمدُ الدولة مكانتها بالكفاح الجماعي المستمر لشعبها عبر مختلف المراحل وفي جميع الأحوال، لأنّه (الشعب) الخزّان الوحيد لأطرها البشرية والمالية والمعنوية، وهو في الوقت نفسه -في الوضع الصحي السنني- الحارس الحقيقي لتطلّعاته المعبّر عنها بالقوانين الأساسية للدولة (الدستور)، والذي يوضع وفق اختياراتها السيّدة، لهذا فمن أهمّ الأمراض المزمنة للدول أن يوضع الدستور بمعزل عن الإرادة الجماعية، وهذا له آثار وخيمة على حاضر الدولة ومستقبلها، ولا يمكن أن يدفعَ هذا الخطرَ المزمنَ؛ التمويهُ السياسيُ والصريخ الإعلامي، أو تأثيم الرأي المخالف، أو ترذيل المعارضة الشريفة، لأنّ تَرْذِيلَها يرتدّ على مُرَذِّلَها بأوفر نصيب من الترذيل، فيرتدّ الرمي على الرامي بأثر مضاعف.

حقائق الأشياء ثابتة لا يغيّرها مدح المداحين أو ذمّ الذامين، لأنّ أمراض الدول حقيقة غير قابلة للإخفاء ولا تسقط بالتمويه أو الإنساء أو التقادم، إذ استعادة الشعب لحقّه في وضع نص مؤسس للدولة كما يتصوّرها السواد الأعظم، أي نص يرتضيه؛ قضية وقتية، أيامها قصيرة مهما طالت.

الأوضاع الصحيّة للدولة تؤكّد أنّ الشعب هو صاحب مهمّة حفظ النص المؤسس والسهر على تطبيقه، لا تسقطه موجات الاستبداد والفساد، بقي الشعب في سواده الأعظم وفيًّا لنضاله من أجل استعادة هذه المهمّة عبر تاريخه الطويل المؤسس على هويته، وسيبقى يناضل من أجل استرجاع حقوقه ومقومات وجوده.

ومن أمراض الدول الاستفراد بتقرير حاضر الدولة بمعزل عن الشعب، إذ يمثّل عدوانا على حقوقها وكرامة المواطنين وحرياتهم الأساسية، وهو وسط أنموذجي لاستنبات الاستبداد وتطويره ليتحالف مع الفساد وزيادة منسوب تدويره، لأنّه ميدان فسيح للتعمية السياسية لحرصه على تعطيل الشفافية والنزاهة في التصوّرات السياسية والتصرفات المنبثقة عنها، فتكون التصريحات -التي تملأ الأفاق- ديمقراطية ولكن التصرّفات السياسية ناسخة لها، ديقراطية يقول ناشرها والمرافع عنها "لا أريكم إلا ما أرى، وأنا أعرف بحقوقكم منكم، وأنا أحرص على عقولكم ومواهبكم منكم" كأنّه يقول بحاله عطّلوا عقولكم، فسأقوم مقامكم في التفكير ثم التنظير والتدبير ووضع الخطط والبرامج، لأنّه لا يتصوّر أنّه بحاجة إلى العقل الجماعي للمجتمع بالرغم مما يزخر به من كفاءات علمية وتدبيرية ترى بالعين المجرّدة.

لا علاج للدولة من هذه الأمراض من غير استعادة الحضور الحقيقي للشعب في وضع القوانين الأساسية للدولة، يمكّن من وضع آليات تدبيرية (برامج) وفق مسالك شفافة قاعدتها عشبية واسعة، يسترد الشعب بموجبها النضال السياسي الجماعي، هذه أسرع الطرق لمنع الدولة من وقوع في الشرور السياسية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، و... المدمّرة، والتي تعدّ حرية التعبير والاختيار أهمّ شروطها. تأثير الشعب الحرَ إنما يُولد بميلاد حقيقي لحرية التأسيس والاعتراض والمعارضة والاحتجاج، والمجتمع الناقد المعترض والمحتج المنتقد هو كيان ناهض، يعبّر بهذا الفعل عن وعي ونضج واهتمام بحقوقه وتمسّكه بتفعيل حريته واسترداد كرامته، كما يعبّر عن إدراكه -بهذا التصرّف الحضاري السلمي- لمخاطر الاستبداد على حاضر الدولة والوطن ومستقبله.

ولإيمان الشعب باستعداداته وقدراته على تفعيلها تمسّك بالسعي المؤثر والفعَّال بالعمل على تحقيق تحرير حريّته من الأسر بأشباهها مما يسوّق بعنوان الحرية الملغي لها في حقيقة الأمر، مطلب الحرية مستمر دائم الحضور لأنّ الحرية شريفة عزيزة تصارع باستمرار الاستبداد المتأصل في الدولة الفاشلة، لهذا فهي المصل الفعّال لعلاج الدول المريضة، وبهذا الصدد لا غنى عن النضال الجماعي بناء على تبني التغيير السلمي في حقب زمنية مدروسة، فكرا ومطالب وبرامج نضالية.

يناضل الجزائريون لعلاج دولتهم من أمراضها بناء على الوثيقة المرجعية (بيان أوّل نوفمبر) في بناء الدولة الجزائرية، والاتّفاق على إعادة الاعتبار لسلطة الشعب وضمان حقه في انتخابات ديمقراطية تسمح بالتداول السلمي على السلطة، ورفض كل مهدّدات الدولة في وجودها وبقائها ودفع موانع استقرارها، والحرص على توفير شروط منع إضعاف رصيدها الجماعي، وهذا مدخله استبعاد الاستقطاب الإيديولوجي، وتوسيع قاعدة الحكم، لأنّها أهم حائط صدّ تقهقر الدولة، ونسف كل أشكال الاحتكار والإقصاء والتخوين والطعن، ورفض كل أشكال الاستقواء بالخارج من أي جهة كانت، أو الانخراط في صراع العصب على حساب حاضر الدولة أو مستقبلها.

قراءة 69 مرات آخر تعديل في الجمعة, 19 نوفمبر 2021 17:28