الأحد, 28 نوفمبر 2021 18:00

قراءة في لقاء الرئيس مع الصحافة مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

أجرى الرئيس عبد المجيد تبون حوارًا متلفزًا يوم الجمعة 26 نوفمبر 2021 أجاب فيه عن بعض الأسئلة الصحافية؛ ويأتي هذا اللقاء في ظروف دقيقة، قبل يوم واحد من الانتخابات البلدية والولائية، بالإضافة إلى ظروف دولية شديدة الاضطراب، خصوصًا وأنّ المنطقة شهدت قبل يومين زيارة وزير دفاع الكيان الصهيوني إلى الجار المغرب، بالإضافة إلى مقتل ثلاثة  تجّار جزائريين في ضربة عسكرية مغربية؛ وبالتالي فإن الظهور الإعلامي للرئيس في هذه الظروف لا شك يحظى باهتمام كبير لمعرفة توجّه النظام ورؤيته حول هذه المواضيع. في هذا المقال، سنتطرق إلى النقاط الإيجابية التي احتواها لقاء الرئيس بالصحافة والنقاط السلبية.

أوّلا، من بين إيجابيّات اللقاء هو حدوث اللقاء الصحافي أصلاً، إذ من المطلوب من القيادة السياسية أن تخاطب الرأي العام عن طريق الصحافة ولا تترك حالة الغموض والصمت المطبق مسيطرة على الساحة سياسية، مثلما كان الحال في وقت الرئيس بوتفليقة الذي لم يخاطب الصحافة المحلية يومًا سوءا بعد مرضه أم قبله، وصنع من حوله هالة من الغموض والقداسة باعتباره لا يُسأل عما يفعل؛ لكن النقطة السوداء في الموضوع هو عدم حيازة الصحافيين كامل حريّتهم في طرح جميع الأسئلة والتطرّق إلى صلب المواضيع الحساسة التي تهمّ المواطن الجزائري، وهذا مرتبط بمستوى الحريّات العام في البلاد والذي يعرف تضييقًا منقطع النظير، خصوصًا في ظل تعرّض الصحافيين والمواطنين للسجن والمُحاكمة بسبب مقال أو منشور على مواقع التواصل.

الإيجابية الثانية كانت إعلان الرئيس تأجيل النظر في ملفّ إلغاء الدعم على المواد الاستهلاكية الذي جاء به قانون المالية لسنة 2022، خصوصًا في ظلّ التذمر الكبير من طرف الأوساط الشعبية من هكذا قانون الذي من شأنه القضاء على القدرة الشرائية للمواطنين، التي تكاد تختفي أصلاً في ظل الضائقة الاقتصادية والتهاب الأسعار؛ وقد ربطه الرئيس بإحراز تقدّم في ملف الرقمنة والإحصاء الدقيق للفئات الفقيرة والمتوسّطة المستحقّة للدعم، واعتبر الرئيس بأنّ التطرّق لهذا الملف يتطلّب حوارًا وطنيًا شاملاً وإصلاح منظومة الدعم الاجتماعي.

الإيجابية الثالثة، كانت الوضوح فيما يتعلّق بملف التطبيع المرفوض بشكل تام في الأوساط الشعبية الجزائرية، وقد جاء تأكيد الرئيس على هذا التوجّه إشارة إيجابية، خصوصًا في ظلّ "هرولة" عديد من الدول العربية إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبالنظر إلى حالة الغموض التي تبنّاها الرئيس السابق بوتفليقة في هذا الموضوع، إذ دشّن عهدته الرئاسية سنة 1999 بالمصافحة الشهيرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، قبل أن يتراجع بسبب الحملة الشعبية الكبيرة التي ثارت ضده.

لكن المقابلة الصحافية تضمنت أيضا عديدا من النقاط السلبية التي لا يمكن التغافل عنها، أوّلها مرتبط بتوقيت الحوار الذي يأتي قبل يوم واحد من الانتخابات البلدية والولائية، وقد صرّح الرئيس بأنه سيحصل "تغيير جذري" في قوانين البلدية والولاية من أجل إعطاء صلاحيات أكبر للمنتخبين، خصوصًا أن منتخبي البلديات والولايات في واقع الأمر لا يحوزون على أية صلاحيات حقيقية تخوّلهم لتحقيق إنجازات في بلدياتهم، مما يفرغ هذه الانتخابات من معناها؛ فكيف يجري تأجيل تعديل القوانين إلى ما بعد الانتخابات؟ هل ترشّح المنتَخبون إلى مناصب لا يعلمون حتى ما هي صلاحياتها ولا ما تحمله التعديلات القادمة في القوانين؟ أليس من المفترض أن تعدّل القوانين ثم تجري الانتخابات؟ تشيرهذه النقطة إلى وجود تخبّط في الأولويات لدى السلطة السياسية، أو ربما ترتبط بحسابات متعلّق بطبيعة الفائزين بالانتخابات، فإن كان الفائزون محسوبون على النظام، فقد يتجه النظام إلى توسيع صلاحياتهم، أما إن كانوا محسوبين على المعارضة -ولو جُزئيًا- فلن تُعطى لهم صلاحيات واسعة.

أما النقطة السلبية الثانية، فتكمن في النظرة الأمنية المتوجّسة تجاه الاستثمار الأجنبي، إذ صرّح الرئيس بأن أموالا لمستثمرين الأجانب لا تتّجه إلا للدول منعدمة السيادة، والتي يُقصد بها الجنّات الضريبية، إلا أن هذا الرأي مجانب للصواب في ظلّ النظام الاقتصادي الدولي الذي يهيمن على العالم، إذ لا يعترف رأس المال والشركات الكبرى بالحدود والجغرافية والسيادية، إنما فقط بالجدوى الاقتصادية والبحث عن أسواق جديدة لبيع منتجاتها أو يد عاملة رخيصة لتصنيعها أو مناجم للتزوّد بالمواد الأولية؛ وإن كان الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة، باعتبار أن الدول الرأسمالية تختار مناطق بعينها خاضعة لها من أجل دعمها اقتصاديًا لمنافسة خصومها والاستناد إليها جغرافيا إستراتيجيًا للسيطرة على مناطق جغرافية في العالم، مثلما هو الوضع مع الكيان الصهيوني أو كوريا الشمالية وسنغافورة.

لكن هذا لا ينبغي أن يكون ذريعة تستخدمها الحكومة لتفسير المستويات شبه المنعدمة للاستثمار الأجنبي داخل البلاد مقارنة بجيران الجزائر، إذ لم يزد عن 1.1 مليار دولار في سنة 2020 جلّها في مجال المحروقات، بينما سجّل المغرب 1.8 مليار دولار في مجالات التصنيع والعقار والمبادلات والسياحة، بينما يبقى الاستثمار المباشر في الجزائر حكرًا على المحروقات. وبدلا من التشكيك في الاستثمار الأجنبي وخلفياته السياسية، كان ينبغي التطرّق إلى الأسباب الحقيقية والموضوعية التي تعرقل الاستثمار أجنبيًا كان أو محليًا: البيروقراطية والمحسوبية والفساد الإداري وغياب القضاء المستقلّ ومناخ الأعمال السيئ والبنية التحتية المتخلفة .. إلخ.

وفي تقرير لـ "لويدبنك"، وهي مؤسسة مالية بريطانية، أشار إلى النقاط السلبية التي تمنع الاستثمار الأجنبي في البلاد، ومنها: المعاملات الإدارية البطيئة، ومناخ الأعمال الضعيف، واعتماد الاقتصاد على المحروقات، مما يزيد من الاعتماد على المواد المستوردة، وتعقيد التشريعات خصوصًا القوانين الضريبية، وصعوبة الحصول على العقار الصناعي ونسبة البطالة المرتفعة لدى الشباب.

النقطة السلبية الثالثة هي غياب التطرّق إلى أهم قضية شغلت الرأي العام خلال الفترة الأخيرة، والمتعلقة بمقتل المواطنين الجزائريين الثلاثة في الهجوم العسكري المنسوب إلى المغرب، إذ لم يطرح الصحافيون السؤال على الرئيس ولم يتطرّق إليه بأي صورة، مما يثير شديد الاستغراب من هذا التجاهل لحدث شديد الخطورة مثل هذا، والذي كان من المفترض التطرّق إليه وتوضيح موقف الدولة من الحادث وسبل التعامل مع هذا الاعتداء السافر.

النقطة السلبية الرابعة، كان تعليق الرئيس على المنتخب الوطني والمدرّب جمال بلماضي. لم يكن موفّقا التطرّق إلى المنتخب الوطني بهذه الصيغة التي تجعل مبارياته قضية سياسية قومية مصيرية، وتخرجها عن إطارها الرياضي الترفيهي، بحيث تحمّل بلماضي وأشباله فوق طاقتهم باعتبارهم آخر حصون الدفاع عن الكرامة الوطنية، ذلك أن الرياضة لها رسالة وأهداف مختلفة لا تحتمل كل هذا الشحن والضغط، بل هو تكليف فوق الطاقة وهروب من الرهانات الحقيقية في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية إلى مجال مختلف تماما له حقل دلالي مختلف، بل من شأن هذا الضغط والشحن السياسي للمنتخب أن يؤثر سلبًا على أدائه الرياضي، وتصبح أية خسارة كروية مستقبلية -وهو الأمر الطبيعي لأي فريق كرة في العالم- أكثر من مجرد خسارة، بل هزيمة للأمّة والدولة!أما الأمر الآخر، فهو اتهام مواقع إلكترونية مغربية بأنّها تعمل على إحباط معنويات بلماضي، فمن غير اللائق إلقاء التهم ضد الدول الأجنبية حول كل مشكلة داخلية كبيرة أو صغيرة، وحتى إن صحّ هذا الأمر فلا ينبغي أن يتطرّق إليه شخصية سياسية في مقام الرئيس، خصوصًا وأن الأمر يتعلق بمنتخب كرة قدم لا غير.

قراءة 108 مرات آخر تعديل في الأحد, 28 نوفمبر 2021 22:10