الإثنين, 10 جانفي 2022 09:23

حاجة الوطن للتطعيم المتجدد ضد الاستبداد مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

لا يختلف عاقلان سويّان أنّ الاستبداد من الأمراض المجتمعية الخطيرة على حاضر الأفراد والمجتمعات والدول، فالمستبد -سواء كان فردا أو جماعة أو مؤسسة أو دولة أو فكرا أو منظمة أو منظومة- مصاب بمرض عضال لا يشعر به المصاب لأنّ الاستبداد يفقد المستبد حاسة الشم والذوق، بل يصيبه بالعمى المادي (البصري) والعمى المعنوي أي ضياع البصيرة، فلا يُبْقِي الاستبداد عقلا، ولا يبقى قلبا يتحسّس آلام المقهورين والمستضعفين، ولا أمل له في غير الحفاظ على مكاسب استبداده.

الاستبداد لا يجتمع مع الديمقراطية كممارسة حقيقية مثمرة لتعدّد سياسي حقيقي، يتجاوز التعدد المصطنع المضمون المخرجات التي تتعاطى مع الاستبداد بوصفه أمرا حتميا ضروريا لا يمكن دفعه، لهذا ترى المتحركين سياسيا -الأفراد والمؤسسات- على ضفاف المساحة التي يسمح بها الاستبداد، هم بمثابة كتبة حاشية على متنه يسوّقون أطروحته يبيّضون صحائفه وإنْ كانت حالكة السواد سياسيا وحقوقيا واقتصاديا واجتماعيا، لهذا تفزع هذه "القوى" إلى جعل مجرد التفكير في التأسيس لأجواء الحرية عمالة وخطرا على الاستقرار والأمن و..الخ السمفونية.

يضطر الاستبداد إلى تجديد أساليبه وأطره وجلده وألسنته وأبواقه و...، ومما يُلْجَأُ إليه لتحقيق هذه المقاصد التشغيب العالي التدفّق على دعاة مواجهته، بقصد صرف النظر عن الانتباه إلى خطورة الاستبداد على الحاضر والمستقبل، ويستعمل بهذا الصدد شراء الذمم إنْ وجد إلى ذلك سبيلا أو على الأقل تأجير بعض الألسنة أو أقلام أو... وأكبر المراهنة في هذا السياق كانت وستبقى على استدراج قوى كانت محسوبة على معاداة الاستبداد.

بناء على ما سلف ولكي لا يكون مبغض الاستبداد ضحية محاولات الاستدراج لأجل الإيجار اللساني أو القلمي، يتعيّن أن يطعّم نفسه ضد الاستبداد تذكيرا بخطره النفسي والعقلي الفردي والجماعي، وأنّ من أخطر ثماره العلقمية، فقدان البصيرة وفقدان الإحساس بالانتماء إلى الوطن والملّة.

قيمة الأمم الحيّة بقدرتها على تفعيل إرادتها الفردية والجماعية تأسيسا لنهضة تسع الجميع ولا تستثني أحدا من أفراد تلك الدولة أو الحضارة، من هنا فإنّ الاستبداد (سواء كان حضاريا أو فكريا أو سياسيا أو...) خطر على من تلبّس به قبل أن يكون خطرا على المُسْتَبَد بهم، ذلك أنّه وسيلة سلبية مانعة للفعل الحرّ والرأي الحر لأنّها تتضايق بالعقل الحر، فتكون طريقا مهيأة لانتشار النفاق السياسي والفكري والحضاري و...، ومع طول مدّة استمراره يعطّل العقل عن الإعمال، ويجرّ جرا إلى دهاليز الإهمال، إذ نمو العقل لا يكون في جو النقد الذي يضع سقفه وحدوده الاستبداد، الاستدراك الحقيقي على فرطات الاستبداد لا يتم في غير جوّ الحرية التي تقصد خدمة الوطن، فالوطن هو الغاية وهو السقف، الوطن في قيمه الجامعة.

الاستبداد خطر على الاستقلال والاستقرار والوحدة الوطنية، بل يعرّض الوطن في وحدته إلى التشتت، ويجعل عناصره قوّته عديمة الأثر لأنّه محدود بسقفه لا بسقف الوطن وأمال الوطن وآلامه. ما ذكرناه في هذا السياق تذكير تطعيمي (Rappel) ضد الاستبداد، لأنّ الإنسان بحاجة إلى تذكير يستغرق الأنفاس بخطر هذا المرض المستعصي على الفرد في قواه العقلية والنفسية، إذ يتغلغل هذا الداء في الإنسان معنويا حتى يرديه بعقل اللاعقل، عقل أشبه بالجنون، عقل ميّال إلى استسهال استمراء الكسب بالاستبداد والإبقاء على الكسب به (وهو كسب بظلم صريح أو مبطّن)، من هنا نعتبر ما ذكرناه تذكير بخطر الاستبداد لمن ألقى السمع وحرّر عقله وقلبه من نفسه التي تشدّه إلى مطالبه الشخصية على حساب مطالب الوطن.

الوطن يُبْنى بكلّ قواه الحيّة، وأوّل الطريق أن يستعيد الفرد استشعار إرادته في التغيير وقدرته الفردية على تفعيلها، والتي تتحوّل بفعل النضال الجماعي إلى إرادة جمعية وقدرات جماعية على نفي الفكر الاستبداد من تقرير مصير الوطن، وهذا مدخل رئيس لمنع إنتاج الاستبداد مرّة أخرى، فيكون الوطن بالكلّ للكلّ، يؤسس لقوى سياسية حقيقية بطريقة شفافة، بمقدور هذه القوى ذات المصداقية أنْ تطعّم المجتمع ضد هذا المرض العضال وتجديد التطعيم في كلّ المراحل، بل في كلّ تواصل سياسي مهما كان صغيرا، وهو طريق سلس لتأسيس ثقافة الشراكة السياسية المؤسس لمدافعة الاستبداد بوصفه خطرا على الجماعة الوطنية في قيمها حاضرا ومستقبلا.

قراءة 216 مرات آخر تعديل في الإثنين, 10 جانفي 2022 09:33