الأربعاء, 09 نوفمبر 2022 17:33

لن ينتفع السلاطين بالتملق... ولن يخسر القائمون بالحق مميز

كتب بواسطة : محمد إلهامي / باحث مصري في شؤون التاريخ

ما أحسب أن أحدًا شعر في نفسه أنه يتميز عن غيره بشيء إلا وطاف في ذهني حلم أن "يدخل التاريخ".. فكيف بمن بلغ الرئاسة والوزارة والقيادة في الحرب أو في غيرها؟!

بعد تطواف قليل في كتب التاريخ يعرف من كان عنده عقل أن دخول الجنة أهون من دخول التاريخ بكثير.. فالتاريخ مكتظ متكدس بالعظماء كأنهم محشورون فيه! ولا يكاد ذو الشأن العظيم تمضي عليه العقود والقرون إلا ويعود مجهولا ونسيا منسيا! لا يعرفه ولا يتذكره إلا المتخصصون في تاريخ بلده أو المتخصصون في فنه وبابه! وكم من عظماء ملؤوا السمع والبصر في حياتهم، وهم الآن مجرد أسماء لا يكاد يُعرف عنها إلا شذرات متطايرة ونثرات متشظية سقطت من قلم كاتب، ثم بقيت في كتاب! ترى كم من هؤلاء راوده حلم دخول التاريخ، وأن يتناقل الناس سيرته؟!

كل الطرق تؤدي بالعاقل إلى أن يلتمس وجه الله، فيعمل له ولا يرجو سواه! فلئن كان التاريخ يضيق بالناس فإن الله يسعهم.. ولئن كانت ذاكرة البشر تنسى فإن الله لا ينسى..

ولئن كانت الصفحات تفنى فإن الجنة لا تفنى! لا أتذكر من الذي قال: إن في الدنيا أناسا يعيشون بيننا لا نعرفهم ولا نشعر بهم، قد بُنيت لهم في الجنة قصور! وكم نعرف ويشتهر فينا أصحاب القصور وقد أُعِدَّت لهم في النار القيود والأصفاد والمنزل المهين! ألا ترى إلى سيد الشهداء.. نعم، ذلك الرجل الذي قام إلى السلطان الجائر فأمره ونهاه فقتله! كم في زماننا هذا من رجال بلغوا هذه المنزلة العليا، واتخذوا الآن قصورهم في الجنة، بينما نحن لا نعرفهم.. فهم في قاموسنا المعاصر "إرهابيون"!

وأما هذا السلطان الجائر فهو الآن صاحب السطوة والقوة والصولجان! كلنا نعرفه.. وهو يكتب لنفسه التاريخ، بالمقالات والكتب والأفلام والمسلسلات.. وما هي إلا مائة سنة أو مائتين على الأكثر حتى يعود ذكره نسيا وظله شاحبا وصورته هزيلة وأثره أطلالا وركاما! فإذا جاء يوم القيامة وجدنا نسخة أخرى من التاريخ.. التاريخ الحقيقي.. التاريخ الخالد.. التاريخ الكبير.. التاريخ المفصّل.. التاريخ الحق الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة! يومئذ سيتلاشى التاريخ الذي كتبه الناس، ولا تعود له فائدة.. بل سيكون وبالا على كاتبه إذا كان قد زوَّره وكذب فيه!! لن ينتفع السلاطين بما كُتب لهم..

ولن يخسر القائمون بالحق بما كُتب فيهم! وساعتئذ، لن يكون ثمة تفاسير كثيرة للتاريخ.. ولن يضطرب أحد في فهم الوقائع أو تحليلها.. ساعتها سيُنصب الميزان الحق، وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يُظلمون! من أراد أن يدخل التاريخ حقا، فلينظر هناك.. يوم القيامة!

قراءة 96 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 09 نوفمبر 2022 17:41