الأحد, 13 نوفمبر 2022 16:00

ليلةُ الشك، أم ليلة التشكيك؟ مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

واقع عالمنا العربي والإسلامي لا يسرّ وطنيا صادقا، ولا مهموما بأمر وطنه وأمّته، فيفرح لكلّ محاولات تأسيس بعث جديد لاستعادة الشعوب حقّها في بناء دولة حَقِيقَة بهذا الاسم (دولة وعليها الكلام على قول العامة)، دولة ينشئها الشعب وفق اختياره السيّد، فيكون هذا سببا في الحفاظ عليها، وتنمّيتها، والتفكير بأن تكون قوّة إقليمية ودولية مؤثّرة في السلم العالمي، قوّة يهابها الظالم لظلمه والفاسد لفساده والمتآمر لتآمره والعميل لعمالته...سواء كان هذا الظالم أو الفاسد أو المتآمر أو العميل، منتجا محليا أو جهويا أو دوليا.إذن، الفرح بالتغيير قابل للفهم، وهو أمر سنني، بل يكون غير الراغب فيه، فضلا عن المحارب له، منكوص الفطرة، تصوّره وتصرّفه المنبثق عنه دليل حالته مرضية نفسية أو اجتماعية، لا تفسّر في المعرفة بل تفسيرها يكمن في معرفة دواعيها، وهي أساس مظنّة فهم هذا النكوص في الفطرة.

وبحسب أسباب الظلم ومنسوبه في الدول، يكون تفسير اختيار أساليب مقاومة الظلم ومدافعته، والشعوب لا تُفْهَمُ بغير هذه القاعدة المنهجية، والتي مفادها أنّ الظلم هو الذي يختار الطرق التي يُقَاوِمُ بها العدل، وهو في الوقت نفسه ينتج -من حيث لا يحتسب- الطرق التي يُقَاوَم بها، لأنّه يبعث في العامة غضبا مُلجئا لا يحكمه العقل في الفهم والتخطيط والتحقق في المطلوب في إطار المتاح، بل تحكمه حالات غضبية تحكمها قوى من جنسها (القوى الغضبية)، والغضب حالة عاطفية -عند عموم الناس- يؤخّر فيها العقل، ولا يستعان بالعقل حال هيمنة القوى الغضبية إلاّ بعد أنْ تحزم العاطفة الأمر (الغضب)، فيكون العقل مستشارا للعاطفة، أو مفازة للخروج من ورطة، وأسوأ الأحوال أن ينتصب مرافعا عن أخطائها، وهو وضع مقلوب.

 المقاومة السياسية لها علاقة بالقدرة والتي يتعيّن أن تقدّر بأعلى قيمة ممكنة، وما حرصنا على التأكيد على بذلها بأعلى قيمة ممكنة، إلا بمثابة ردّ على أساليب الاستبداد والقهر وأبواقه التي تريد أن تكون الشعوب عديمة القدرة وعاجزة الإرادة، لهذا يجنح أبواق الاستبداد على أنّ الشعوب لا تسيّرها إلاّ الإدارة السياسية المنبثقة عن الاستبداد، تُغَرٍّبها ( تتوجّه بهوى اللبرالية وعلى رأسها أمريكا) متى شاءت، وتشرّق (تتوجّه بهوى الصين أو روسيا) بها كيفما شاءت، وزيادة في التحايل ينفثون في روع العامة أنّ الشرّ السياسي أكبر من الخير السياسي، وأنّ التيه السياسي أقرب إلينا من الشرد السياسي، وأنّ إرادة هدم الدول أقوى من إرادة بنائها،...

وبعد هذه الدوامات السياسية، يخلصون بالشعوب إلى نتيجة مفادها: أنّ الشعوب الشرقية عاجزة عن إنشاء الدول وحمايتها، لهذا يختارون الأساليب المتكرّرة في التحايل على الشعوب، وهي طريقة ساذجة وفجّة، فيردّدون عيلنا ما سمعناه ورُدِّدَ على مسامعنا منذ لحظة الدولة الوطنية (تحرير الأوطان الشرقية من الاستعمار الجسماني) وباستمرار بأنّ الحكم الراشد لا يكون إلا بشعب راشد، والشعب الراشد لا وجود له ( كأنّه ينبغي أن يستورد)، ونحن شعوب لم تبلغ الرشد، النتيجة: سلموا لنا تسيير شأنهم السياسي لأنّنا أعلم برشدكم منكم. أي لا تفكروا في حكم أنفسكم بأنفسكم، فنحن لها، وكلّ من فكّر أو يفكّر في ذلك يتعين استبعاده من الشأن السياسي.

 الرشد الشعبي يبدأ بالثقة بالشعب أولا، وهو أساس تشكّل هذا الوعي ثانيا، وهذا لا يكون إلاّ في الوقت والتاريخ، فلا يأتينا الرشد من غير ممارسة سياسية تراكمية قصدية التَرَشَّد عبر الزمن، يبلغ بها الشعب بالتكامل بين الأجيال والتكامل بين النزهاء أعلى درجات الرشد الوقتي، إذ ليس هناك في دنيا السياسة رشدا كاملا شاملا، إذن الرشد السياسي بدايته الشعب ومصبّه الشعب، ويصنعه الشعب، والطامع في صناعته في حاضنة غير الشعب، يريد الاستيراد أو الاستلاف أو الاستبداد، أو أن يكون مستفيدا من وضع لا الرشد، ومن مَالَ إلى هذا الاختيار يحمل فكرة خرقاء، مفادها أنّ من يحكم الشعب ليس منه، وهي قاصمة لكلّ رشد سياسي يدّعى.

حضور الرُشد خطابا وتغييبه في المزاولة السياسية، لا يمكن أن يكون مؤسسا للرشد، بل كلّما سرنا قُدُمًا في اتجاهه (الرشد) تفلّت منا وابتعد عنّا، بل وفَرَّ منّا فرار الصحيح من الأمراض المعدية الفتّاكة، إنّه الشرود بأتمّ معنى الكلمة، وما السير في الشرود إلى سير في الاتجاه المعاكس، ولا يخلص إليه بغير التحايل على السير في طريق الرُشد السياسي الذي يؤسّسه الشعب ويحميه، يسير المسلك الشرود عن الرشد بالدول نحو الإفلاس التصوّري ثم الإفلاس في التصرّفات السياسية المنبثقة عنها، إذْ أنّها تسير بالدول في عكس اتجاه الرشد، تسير بخطى سريعة بالدول نحو: التيه السياسي، والتيه الفكري، وهذا له جملة من المظاهر تتجلى في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفنية والرياضية...

إنّ وضع الدول الشرقية المترهّل سياسيا، مبني في المقام الأوّل على التيه التصوّري، الذي ينتهي إلى تصوّر جمهوريات بغير جمهور، وديمقراطية بلا شعوب، وإلى حرية بلا حق في تأسيس قوى سياسية ناشئة أو جديدة، وبغض تجديد القديم، ومنع ولادة الجديد،... وما ذكرناه في هذا السياق ليس إلاّ وجها من وجود التيه في التصرّفات السياسية، وأمر سنني أن يلد التيه في التصوّرات السياسية، تصرّفات سياسية من جنسها، إنّه التيه في التصرّفات السياسية، فالتيه واقع لا ينكر، والتيه هنا من حيث الذهول عن أهمية القوّة الشعبية في إنشاء الدول واستمرارها وتنميتها، وليس نكرانا للمكاسب الاجتماعية والتربوية للدوّل، ولا يخلط بين المقامين إلاّ من  درج على الخلط، تيسيرا لحامية استبداد أو حفاظ على رغيفه العادي أو المُحَسَّن الذي ناله بغير وجه حق أو استحقاق، أو حفاظا على وظيف مستلب أو طمعه في وظيف مرتقب.

وَضْعُنا الذي لا يخفى على ذي بصر وبصيرة، يجعل عموم الناس ينتظرون ليلة الشك السياسي مفتوحة باستمرار، أي أنّهم ينتظرونها لحظيا (كلّ لحظة)، ولهم كلّ الحق في ذلك، وخاصة في ظل المعطيات السابق ذكرها، وهي فرصة سانحة يستغلّها مسوّقو أطروحات الاستبداد وحليفه الفساد،  لجعل ليلة كاذبة هي ليلة الشك، فتستغل لتكون ليلة للتشكيك في استعداد الشعوب قدراتهم الجماعية على التغيير، فتستعمل هذه الحيلة الاستبدادية لتدمير القوّة المعنوية للشعوب، وفيها أفجر خدمة تقدّم للاستبداد وحليفه الفساد الوطني والمحلي والدولي، من هنا كان على صنّاع الوعي التذكير بهذه الحيل، التي ينبغي أن نعلم أنّها من أدوات صراع التيه للرشد..

وينغي أن تفهم أنّ مدافعة الشعوب للشرود السياسي لأجل التأسيس للرشد السياسي ليس فعلا سياسيا شارعيا (الخروج إلى الشارع) فحسب، بل هو قبل ذلك، وعي بأساليب القهر النفسي الذي يمارسه رجال التيه (والتتييه) السياسي على المقاومة السياسية السلمية الراشدة،  ويُعْلَمَ أن أمّ التدافع هو وعي نفسي ثم فكري ومنهجي بأساليب التلاعب بالرأي العام، يبدأ بالتذكير بما يكون سببا في منع تخريب المناعة النفسية للشعوب، ويكون ذلك بالمراهنة على الضعف النفسي للشعوب، وأنّها امتلاك لها للقدرة على دفع هذا الوباء (التخريب النفسي) وذلك بأن تجدد النفث في روع عموم الناس العجز السياسي السلمي، أو أنْ تراهن -بحسب كلّ مرحلة- على من يشتت التوافق الوطني على استعادة المبادرة السياسية الوطنية السلمية القائمة على الحريات مطلبا، ونفي إقصاء القوى السياسية المنبثقة عن إرادة شعبية سيّدة.

ليلة الشكّ إذن مفتوحة، وهي أضمن فرصة للكشف عن معدن الذين أرادوا جعلها ليلة تشكيك، وهي فرصة لتجديد العهد مع حقنا جميعا في بناء دولة وحمايتها وتنميتها، هذا مما لا تناله الشكوك قدر أنملة، وليالي الشك مستمرة، لأنّ من رَحِمَها تولد حقيقة بداية عهد جديد، يكون الشعب فيه صاحب القول النهائي في نشأة القوى السياسية واستمرارها وتطوّرها بل واندثارها. وهم معقد الآمال في تأسي دول قويّة بشعها وإرادتهم الجامعية، من هنا وجب الحذر من أن تستعمل ليلة الشك المفتوحة وسيلة لتمرير التشكيك إلى الأنفس.

قراءة 106 مرات آخر تعديل في الأحد, 13 نوفمبر 2022 16:12