الأحد, 25 ديسمبر 2022 09:24

المسلم وازدواجية الشعور مميز

كتب بواسطة : الأستاذ سعدالدين شراير / كاتب وباحث

صحَّح الإسلام كل التصورات البشرية، وتحسَّنَ شعور الملتحقين بدين الله تعالى.وبتوافق الأفضلية والإمكان شعوريًا، بشَّرَ المسلمون العالم وعلموه وطوروه بحضارة فكرية علمية أخلاقية عملية ما خطر على الناس مثلها قبلها أبدا. ثم دبَّ الهوان والاختلاف حتى سادت أمم ومدنيات مخالفة، وهزلت ذهنيات المسلمين، واستكانوا بشعورهم المزدوج. شعور بالحق والمنهج، فكرا وتشريعا وحضارة، وأخلاقًا وطبيعةً، وزاحمه شعور بالهوان والعجز، شوش عليه نصاعة الطريق وعسر تواصل السير فيها.

فموسى عليه السلام وهارون توجسا خيفة من فرعون: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى، لكن الله تعالى صحح لهما الشعور: قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فبقي شعورا ثابتًا شق به طريق البحر: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون 61 قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ62، فالتزم السنة الربانية الكونية، وانتصر على فرعون الغريق.

والنبي صلى الله عليه وسلم ربطت زوجه خديجة رضي الله عنها أحاسيسه بالوحي الجديد، فالتزم به ولم يحِدْ وثبت أمام الإكراه والإغراء. وأيد أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال عن الإسراء والمعراج، لو قال أكثر من ذلك لصدقته، مع شعور مغاير في الغار، صححه النبي صلى الله عليه وسلم "ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما"، متَّفقٌ عليه.

فما ازدوج له شعور أبدا، ونبعت منه قرارات توافق الشعور بالحق وتنفيذه. إذ إن للمسلم شعورًا معنويًا حسنًا، فإن امتحن بمحك الواقع التفعيلي، انتابه الشعور المُثَاقِلُ.

رغبة كاسحة، وتشويش فكري وعقدي، ومركب نقص وضعف، لأن هاجس التطور الغربي الرهيب يعميه عن بصيص الانطلاق، رغم أسبابه في جغرافيتنا. فخضع لاستقطاب شعوري سيء، صرفه عن التفكير في مشروع النهضة. له شعور فكري معنوي قوي، يصوغ به الخطب الرنانة في المحافل المختلفة، يقرع بها الآذان، وشعور يصدُّ التنفيذَ، لا يتقدم ميدانه بالتفعيل، لسان حاله لا أستطيع.

وهذا الموضوع يعني أولاً كل السلط الحاكمة القابضة برقاب الأمم، فهي محاكية لشعوبها في الشعور الأول، ولنسمِّهِ الشق المعنوي، أما الشق المادي الفاعل فتخالفها، وتخذلها، وتأبى التقدم الشجاع، للتخوف، أو الانبهار.

لو تحرر المسلمون من الازدواجية إلى وحدة شعورية متوافقة عقديا ونفسيا وماديا، لبدء مشروع الاستقلال الذاتي. الشعور المتلازم بالحق والإمكان شلال متدفق نحو مصبه، وسائق الأعمال نحو مردودها. إن فعلا بسيطا منتجا ناجحا كفيل بتركيب الثقة الشعورية في القدرة على التحول من المعنى إلى الميدان. وواقعية الفعل يسندها شعور قوي دافع في اتجاه منسجم غير متناقض، ولا متجاذب، وهو المرجو من الأمة بقياداتها وسلطاتها.

والانسجام الشعوري بين الحق والقدرة والتفعيل دفع به الجزائريون والليبيون والمصريون والسوريون والأندونيسيون وغيرهم ثمن طرد الاحتلال.ونظرة عابرة إلى الجمعيات المختلفة تبين قيمة التوافق الشعوري.فلابد من تصحيح الشعور وتناسبه، لينقشع الضباب عن الممكن اليقيني.

واتساق الشعور سنة ربانية كونية وقاعدة السير الناجح نحو النهوض الحضاري.الغرب يمكر بشدة لصناعة المعنويات المنهزمة، لذا فعلى حكام المسلمين تصحيح المفاهيم العقدية والفكرية والعلمية والإمكانية والقدراتية والشعورية وتوافقها، وطرد ازدواجياتها، لانتفاضةٍ حضاريةٍ جديدةٍ، وتفعيل القدرة علميا وتقنيا وماديا وخلع غشاوات الاستكانة والانبهار والقابلية للهيمنة، رغم احتمال تضحيات جسيمة.

على المسلمين تشكيل عقول متحررة متوهجة بانسجام الشعور بالإمكان والتفعيل، عوض عقول متحجرة بشعور الفشل كلما لاح لها أفق الإمكان.وعلى نخبهم إحراج سلطهم فكريًا وتواصليا، وفضح وهم الضعف، إلى أن تقتنع وتقرر المسير نحو تحضر يبوئنا أستاذية العالم.

قراءة 61 مرات آخر تعديل في الأحد, 25 ديسمبر 2022 09:35

المقالات ذات الصلة (بواسطة كلمات مفتاحية)