الجمعة, 06 جانفي 2023 18:12

ثقافة الدعاء مميز

كتب بواسطة : الأستاذ سعدالدين شراير / كاتب وباحث

خلق الله الإنسان من ماء مهين، أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ/20/ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ/21/المرسلات. وصرَّحتْ نصوص بضعف مصدر الخلق، لكي يتذكر عظمة الخالق دائما، ويشعر بالافتقار إليه، فيستقوي به عن طريق الدعاء. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ/60/غافر. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدُّعاءُ هو العبادةُ ثمَّ قرأ، وَقال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ/رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة.

والدعاء من القربات الظاهرة والباطنة، فهو عامٌّ شامل، وتمام تعلق العبد بربه في كل شيء، في يوميات حياته، لأنه لا يصبح ولا يمسي إلا وهو مفتقر إليه، لا يخصصه المسلم بحالة دون أخرى، عكس من يخففه على الناس إن تراخت ضمائرهم الإيمانية في بعض أوقات التعب النفسي، والإرهاق المعنوي، حتى ضُّيِّقَ على مجاله فأصبحت له علمانية ولائكية كالسياسة والحكم منذ استغفل الاحتلال بها الأنظمة الوظيفية في عالمنا، فأصبح الإنسان لا يدعو، أويدعو وقت الحاجة الملحة فقط.

فاقتصر الدعاء على المساجد بالغيث، وبما يطلبه المصلون، ابتغاء الولد، والتزويج، والاستشفاء، والتبرعات المرفقة به، وخواتيم الخطب المنبرية، ودعاء التلميذ بالتوفيق في الامتحانات الرسمية. في فترات القحط تثار مسألة التضرع إلى الله بنزول الغيث، إذ نوجه العتب نحو كثرة تنأى عن التوسل إلى الله به، لكن الأمر في رأيي يتعلق كدرجة أولى بمدى العلاقة بالله تعالى، التي تنمو مع المسلم وعاطفته ووجدانه الروحي القوي، كي يجعل الدعاء ديدنه بشكل شامل، لا خاصا ببعض يومياته أومهنته أو حاجته الخاصة.

لقد درج الكثير في الدعاء -إن اعتادوه- على جعله متعلق الحاجات فقط، دون ترطيب الألسن وتنبيه الأذهان اهتماما به، كثقافة يومية دائمة، فحاجة العازب إلى الزواج، فيدعو لتيسير المهر، وحاجة المهموم بمرض والد أو ولد إلى شفائهما، فيدعو لتذليل التداوي، وحاجة المسافر إلى نيل التأشيرة، ومكان في الطائرة، فيدعو الله سهولة الحصول عليهما، والفلاح أشد حاجة إلى الغيث بحكم العلاقة مع متعلقاته الزراعية، لذلك تعلق الدعاء بالمباشر وغير المباشر.

فغير المحتاج إلى الشيء مباشرة لا يشعر بالاضطرار إليه، ولذلك من لا علاقة له به لا يُعْوَزُ إلى طلبه، فإذا كانت الحاجة أم الاختراع، فهي الدافع إلى الدعاء.وفي أيامنا هذه من يظن أن لا علاقة له بنزول الغيث، فلا يكلف نفسه الدعاء، لأنه يجد الثمرة ناضجة في السوق، والماء سائلا في الحنفيات، أومن يعتبره سبب غلاء أسعار بعض الثمرات، لأن الأوحال تعطل دخول الفلاحين إلى المزارع لجنيها.والبعض لا ينظر إلى المتوفرات فقط، فيراه حياة البيئة، كزوال الأمراض، وانشراح النفس من هم القحط، ووفرة المياه في الباطن والسدود، والثمر، وجمال الأنهار والبساتين وأزهارها.

والفلاح المحتاج إليه مباشرة يشعر بالفاقة الملحة، لأنه سبب كل مراحل نمو الثمار إلى حصادها.فليكن الدعاء ثقافة عامَّة، وشاملة، يُلْجَأُ به إلى الله في كل الأحوال، لأنه تعالى ينظر إلى سابقة الفرد المتذكر في السراء فيكون معه في الضراء، أو ينسيه نفسه كما نسيه، إلا بعفو منه ورحمة.أما التغافل عنه في غالب الأوقات، ثم التوسل به عند الحاجة الدنيوية، ثم العودة إلى السبات الروحي بعد تحققها، أو عدمه، فهو تحايل مع الله.

حين يكون الدعاء عادة يقينية، وثقافة روحية، وتضرعات ملحة، بلا ترانيم نغمية كالترانيم الكنسية، يزول استكبارنا على العبادة، ونرجو نظر الله إلينا بعين الرحمة وجزيل العطاء.

قراءة 67 مرات