السبت, 14 جانفي 2023 11:47

شعبوية ولا سلطان لها مميز

كتب بواسطة : الأستاذ سعدالدين شراير / كاتب وباحث

يستهتر البعض بالقوانين والأحكام السلطانية، لاعتبارها مجرد استهلاكات شعبية، تستهدف الرضى العام، رغبة انتخاب، أو رهبة اضطراب، بشعبوية تَغُضُّ الطرف عن الانهيار الحضاري بفوضى الأسواق، والبناء، والقمامات، وشحوب الجدران، واحتلال المرافىء، والأرصفة، والشوارع بسلع الأعياد المشروعة وغير المشروعة، والبرامج التلفزية الرديئة، وسرقة التاريخ، بأحداثه ويومياته وأرقامه وأعماقه، في المناسبات، والهويات، والعقائد، واللغات، والجغرافيا، والشعوذات الغثائية، والنحوت الخرافية، وحيونة البشرية، وتهاوي المستويات التعليمية، بالامتحانات الموهوبة، والبرامج المتسرعة، اللافظة طاعني معلميهم.

قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ/71/المومنون. إن الحق والصواب لا يسترغبان السوقة، إن حلَّ العدل، وأُمِنَ الاستبداد.

تمعَّضَ الأنصار لتقسيم غنائم حنين على غيرهم، وسيوفهم لم تجفَّ من دمائهم قبل إسلامهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كحاكم ونبي بتَّ في الأمر، ولم يبغِ احتواءهم، ولم يسترضِ وجدانهم إلا بالتذكير بالعهد الأول المقطوع له منهم، وتصرَّمَ في إمضاء الحق والعدل المشروع. عَوَّضَ الخليفة عمر رضي الله عنه فيء العراق بمنحة، غير مسترضٍ إلا قوة العدل.

لو كان للشعبوية نفع دائم لما سُنَّتْ القوانين والمراسيم، لأن في الناس العالم والجاهل، والملتزم بالشرع والقانون والآداب، والمشغول بشأنه الفردي. لو أذعن سلطان الأمة للغوغاء رغبات وإدبارات، لأفلست صناديقها، وتفرق شملها، وشاعت فاحشتها، وسرق تاريخها، وطمست عقيدتها، وتميعت هويتها، وأسقطت رايتها، وتبهمت طرقاتها وساحاتها، واعتلى مناصب الأفاضل أراذلها، ونافس الجاهل العالم في منصاتها، والمحكوم الحاكم في قياد رعيتها.

لو قامت الأمم على هذه الانطباعات لفقدت الحاجة إلى حاكم ينظم مساراتها، ويضمن أمنها، ويحسم نزاعاتها، ويحرس أخلاقها، ويمثل سفاراتها الكثيرة. المهادنة في كل شيء، حقه وباطله، مُنذر بخراب العمران، وعودة جاهلية قبائل العشائر، وانتشار الأصنام، وعبادة التماثيل.

سينهار البنيان مع مداهنة طفيليات مشاكسة لها شوكة مسمومة مدعومة، بادعاء احتواء غير مضمون. إن خشية جموح الشعوب المؤدية إلى بذل غضِّ الطرف، بالرضى عن كل انحراف عقدي واجتماعي وتاريخي وسلوكي ومالي، سيفقد الأمة انتظامها وحراسة أمنها، ويفلُّ صلابتها، ويشتت وحدة دينها وترابها. الإجابة الفورية لكل منزع دون تمحيص حقه من باطله، سيجرئ معتوهي العقول، والمتمردين الصائلين، ويدرِّجهم نحو التمكن، ثم يُعَسِّرُ دفع ضررهم إن استقووا بالعدد والعدة. إجابة كل من يخشى ماله، أو عدوانه، أو عمالته، أو حمايته، أو يطمع في نصرته، أو إحاطته، مُذهب للعدل، منذر بالظلم، مهدد بزوال الأمم التي تصبح معه برنامجا لما يطلبه العوام، ويضيع منها الحرص على رعاية القيم.

الشعبوية تلد شبابا يبطن كسله بربح سهل لا يضمن تأمين شيخوخته. إنها كالأب يعطف على ابنه في زمن الكد، فيسمح بسباته، ليفوت عليه نفع يومه. إنها كنعامة حارت أ تكشف وجهها فتعمي الرمال عينيها، أم تحضنه بجناحيها فيلتهمها الثعلب الماكر. إنها رافد نزواتي في مفرق طريقين أحدهما يغض عن الباطل، ويكبل الحق، وثانيهما يفرض الباطل دون مستحق الشورى، يصبان في نهر به يخت لا يبالي المتربع عليه إن تـفَرَّعَ على اليابسة حتى تصدمه الأحجار الناتئة، ولا تنجيه اليابسة الغارقة.

إن الحرية الإنسانية والاعتراف بها ومنحها، لا يعني تجاهل المترتب عنه من كثير مسؤوليات على الأفراد والأسر والجماعات. إذا صرم السلطان في إمرة الرعية بالحق والصواب والقانون والعدل والمساواة، كفل لها انطفاء الغضب، وسلامة التوجه، وانضباط السياسة، وسعادة الساكنة. وإذا تدبَّرَ مآل رعاية من تولى، وميز بين المرونة والتخاذل، لن ينفرط عقد الأمة، ولن ينهار تماسكها وعزها. والضامن لذلك عدل ومساواة بين المستحقين، وتفانٍ فيهما، يلجم المجانين والهمَّلَ عن شغب الواقع. وإن غدًا لناظره لقريب.

المزيد في هذه الفئة : « ثقافة الدعاء
قراءة 213 مرات آخر تعديل في السبت, 14 جانفي 2023 12:09