الثلاثاء, 25 فيفري 2020 20:58

الحراك يُحَاصِرُ ولا يُحَاصَر مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / باحث وكاتب

يمثّل الحراك المبارك مرحلة وعي متقدّمة، حاصر بها المحاولات اليائسة لاستبعاد السيادة الشعبية من تقرير مصيرها وبسط السيادة الشعبية نفوذها على كلّ مؤسسات الدولة، وأكّد الحراك بوضوح أنّ يوم 22 من فيفري سيبقى منقوشا في الضمير الجمعي للشعب الجزائري، فلم يستطع أحد تجاوزه، لهذا تبناه الجميع دون استثناء، فالغالبية الشعبية الغالبة تبنته ميدانيا بالتركيز القوي على تحقيق الهدفين الرئيسين: مدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد.

وما تَبَنّيِ الجميع له إلاّ بسبب أنّ الحراك لا يُحَاصَر بل يُحاصِر، وسيبقى مُحاصِرًا لكل من يرغب في الحفاظ على الاستبداد ومؤسسات استنساخ الفساد. فقد بيّنت الأيام أنّه يكتسح كلّ محاولات صدّه عن مقاصده الكبيرة المشار إليها أعلاه، فقد شهدت الأيام أنّه أسقط العهدة الخامسة، وسرّع مبادرات السعي إلى تفكيك الفساد، وهو يروم القضاء على كلّ الممارسات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم. وبالرغم من كل محاولات الحصار المتعدّدة الأوجه من التضييق، والتشويه والتشهير، وتسريب الفيروسات التفريقية..

حافظ الحراك على زخمه، مُصِرًّا على مطالبه المشروعة، فلم ينكفأ ولم يتراجع بالتشكيك أو الشروخ الجزئية التي حدثت في صفوفه، فضلا عن محاولات تكوين حراك مزاحم، يستغل باستدراج بعض قدماء الحراكيين إلى المناصب التنفيذية أو ما شابهها من الأساليب، فمن اختار هذا المسلك، فهو غير مأسوف عليه عند عموم أهل الحراك، فقد اختار أن يُعدّ من تاريخه وليس من الفاعلين الميدانيين فيه.

الحراك هو أكبر قوة سياسية وطنية في الظرف الحالي، وهو البيت الكبرى لكلّ الجزائريين، الذين تجمعهم قيمه وتاريخه النضالي المشترك، ورصّت صفوفهم المحن والإحن عبر مختلف الحقب التاريخية، فالحراك ليس حدثا أسبوعيا أو موسما، بل هو وعي بأهمية الوطن، يتعيّن تثمينه، وعدم الغفلة عن أهمية هذا المكسب في إحداث الوثبة الوطنية المنشودة، فهو بالكل للكل ومع الكل، وبالنظر إلى شموليته وتنوّعه، ليس من مسؤوليته وضع إجابات سياسية كاملة، بل يكفيه في المستهل الحفاظ على هذا الوعي وتنمية مكاسبه، والثبات على مطالبه والصبر العملي الميداني على تحمّل أعباء المشاركة فيه، محافظا على سلميته، التي تمثّل عناصر قوّته النفَّاثة التي تحاصرها لا القوّة الغاشمة ولا القوَّة الناعمة، وتنمية أسليب النضال باللقاءات الميدانية المباشرة والحوار الصريح بين الجزائريين، والابتعاد عن مهاجمة بعض مكوّنات الحراك للبعض الآخر "إلاّ من ظلم وتجاوز حدود الأدب العام".

الحراك تجاوز لمنطق الوصاية الدائمة المبني على المقولة المشهورة "ثقوا بي"، والواقع أنّ من له ثقة بنفسه هو الذي يبادر إلى جعل الشعوب تثق إراديا بقدراتها الفردية والجماعية، فكلّ من قال للناس ثقوا بي -قبل أن يبادر إلى النفث في روعهم بأنّهم يملكون القدرة على الاختيار والنظر والتحليل- لا ثقة له بنفسه، إذ لو كانت له ثقة بها، لأسعف الناس لاسترجاع الثقة في أنفسهم أولا، فأوّل مبادرات الثقة أن نثق في الشعب أولا بعد الله، بأنّه يملك الأهلية للقيام بالوظائف الحضارية المنشودة، يملك القدرة على الاجتماع والوحدة والالتفات على القيم المشتركة والتاريخ المشترك.

لهذا كلّه فالحراك لا يُحَاصَر لأنّه منطق تواصلي لأجل الوطن، وهذا مسلك مبناه الجدّية في العمل الجماعي لتأسيس دولة القانون والحريات في إطار ثوابت المجتمع القائمة على السيادة الشعبية السيّدة.

الحراك يحاصركم لأنّه دعوة صريحة للاقتصاد في الأوقات واستثمار أحسن للطاقات الوطنية الصادقة، منعا للتدخّل الأجنبي. وعدم اهتمام المؤسسات الإعلامية الرسمية -وهي ملك لدافع الضريبة- بالنقل الميداني لفعاليات الحراك، لا ينقص من قيمته بقدر ما ينقص من قيمتها، فهي المُحَاصَرَة وليس الحراك المبارك، ولو رُفِعَ عنها التضييق لما تأخّرت في نقل الوقائع، لهذا نعمل من غيرنا على رفع كلّ أشكال التضييق على الحراك الشعبي المبارك، ولكي يبقى الحراك مُحَاصِرًا لمحاصريه، يتعيّن على حركانا المبارك عدم استعمال كلّ ما من شأنه يغيّر أولويات الحراك، لأنّها محاولات "مُحَسَّنة" للانجرار خلف محاولات تضييع هذا الوعي الوطني العارم الذي تشكّل بنضالات الثابتين في الميادين، وبمدافعة هذا الخطر نحافظ كمجموعة وطنية على الحراك المُحَاصِر لكلِّ من أراد حصاره..

قراءة 313 مرات