الأربعاء, 26 فيفري 2020 10:19

عام على رحيلك أيها العزيز الغالي (حسن بن خدة)..."رمزيتك" الثورية لا تمحوها الأيام مميز

كتب بواسطة :

دار الحول على الحراك، ومرت سنة على مقتل أخي الغالي الشهيد الأول للحراك الشعبي، حسن بن خدة، رحمات الله عليه تترى.كانت المسيرة الشعبية في أول مارس 2019 يوما مشهودا ورائعا، خاصة بعد تحطيم جدار الخوف في الجمعة الأولى (22 فبراير)، واستطاع الشعب أن يحافظ بأعجوبة على السلمية، وأظهر الشباب وعيا فائقا أبهر الجميع، رغم محاولات العصابة الدفع إلى الفوضى وتحريف الجموع نحو الانزلاق والاصطدام مع قوات الشرطة، فالبلطجية كانوا مزروعين في كل مكان، والحجارة متوفرة على جانبي مشارف الطرقات، وفي حاويات المزابل، في متناول المتظاهرين، وأصوات مشبوهة تدعو للصعود إلى "المرادية"، والهجوم على السفارات والبنايات الرسمية.

صلى المرحوم صلاة العصر في جماعة مع أفراد العائلة ومجموعة من المتظاهرين في ساحة قصر الشعب قبل أن ينطلق الجمع متوجهين إلى بيت الوالدة في أعالي العاصمة، وعندما وصل الموكب قريبا من نزل الجزائر فوجئوا  بهجوم مباغت للشرطة الذين اخترقوا بقوة جموع المشاة كالسهم، مع إطلاق كثيف للغازات المسيلة للدموع، وحُشر المتظاهرون حشرا، واقترن هذا بهجوم عنيف للبلطجية، وهم يلوحون ويهددون بالسكاكين والسيوف ويقذفون بالحجارة على الجموع، وهرول الناس في كل الاتجاهات، وفُقد أخي "حسن" وقتها، ولم نعثر عليه إلا في مشرحة مصطفى باشا، وقد فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها.

تلقيت في المساء مكالمة من مدير المستشفى يخبرني بوجود جثة ضحية واحدة للأحداث داخل المشرحة، ولم يكن يحظر ببالي أن الجثة الوحيدة هي لأخي.  وكم كان المشهد صعبا ومؤلما عندما كشف الطبيب الشرعي الغطاء عن وجه أخي الغالي، وهو مخضب بالدماء ورأسه مُصاب بجروح وفي جسده كسور كثيرة، وفي تلك اللحظة أول شخص تبادر إلى ذهني، الوالدة، وكيف أُخبرها وكيف ستستقبل الخبر، وأثر الصدمة، وقد تنكأ جراحا وتستعيد مواجع قديمة جراح وأسالت مدامعها بفقدان أخيها الشهيد "الحفاف محمد الغزالي"، الذي قُتل في الظروف نفسها من طرف عسكر فرنسا 1 ماي 1945، وكان غزالي عضوا في حزب الشعب وصديق "محمد بلوزداد"، قاد المسيرة الضخمة في العاصمة رافعا الراية الوطنية، وأصابته رصاصة في رأسه وكان أول شهيد في العاصمة، وظل أياما في مشرحة مصطفى باشا، ترفض السلطات الاستعمارية تسليمها للعائلة.

وتوالت الشهادات من طرف المتظاهرين حول الحدث (مقتل أخي حسن)، وكيفية هجوم البلطجية والشرطة، وكانوا يرمون بالحجارة، وكيف وجدوه مُلقا على الأرض مُدميا، وكان من الصعب إنقاذه من طرف الشباب لكثافة الغازات التي أطلقتها قوات الشرطة..وتبقى الأسئلة مطروحة من دون جواب: 

* لماذا حاول بدوي (رئيس الحكومة السابق) التستر عن الجريمة بالتدليس والكذب، وصرح أن الوفاة كانت نتيجة أزمة قلبية، وروَج الإعلام لهذه الكذبة والمغالطة تضليلا للرأي العام؟

* هل استُهدف "حسن" شخصيا، إذ كان الضحية الوحيدة، ومعه الأطفال والنساء؟

* من وراء البلطجية الذين أحدثوا الفوضى، وكانوا السبب في انزلاق الوضع، ومن وضع الحجارة في متناول المتظاهرين؟

وقد حاولت جهات عديدة، ولأسباب مختلفة، إخفاء الحقيقة وطمس رمزية هذا الشهيد المغدور به، فالسلطة تحاول  غلق الملف نهائيا والتستر عن حقيقة مقتله، وقد سهَل لها المهمة حالة النكران والتجاهل لصرعى عقد "الأدلجة" ومرضى النفوس والعقول داخل الحراك وخارجه.وإذا كان أهم ما يميز هذه الثورة العظيمة هو السلمية وقلة الضحايا، فإن الأمر بالنسبة للعائلة كان مختلفا، فالثمن كان باهظا ومؤلما، وفاجعة فقدان الابن والأخ والأب والزوج ليست بالأمر الهين..ولكن ممُا يُهون من ألم الفراق و والحزن المُخيم على القلب، هذا الاستمرار المتدفق للثورة السلمية، وقد سقاها بدمه الطاهر شقيقي وأخي الغالي العزيز "حسن"، وستبقى دماؤه شعلة وضاءة لا تنطفئ تنير دروب الثائرين الأحرار.

وفقد العزيز مصيبة لا تتحملها إلا نفس المؤمن الصابرة الراضية بقضاء الله تعالى وقدره، فعَنْ ثَابِتٍ، عن أنس رضي الله عنه قال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. أخرجه أحمد 3/194(13045) و"البُخَارِي" 2/105(1303). وقال ابن مسعود: ما منكم إلا ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة إلى أهلها.

ولعل الله اختار "حسن" من بين الملايين التي تمشي كل أسبوع منذ أكثر من سنة واصطفاه الله، وأصبح رمز الحرية وثورة الابتسامة..لم يكن طالب شهرة ولا مجد دنيوي، ولا كان حريصا على الظهور والبروز، مثلما نراه اليوم ممَن يحظون برعاية مريبة ويُلمَعون في غفلة من الناس، وأتته "الرمزية"، وهي راغمة، فالرمز الأصيل لا يُصطنع اصطناعا، ولا يُتكلف في طلبه، وإنما يُصطفى اصطفاء وتؤهله مواصفاته وأقداره.

اللهم اغفر لعبدك "حسن" وتقبله شهيدا وارفع درجته، إنه لم يخرج لدنيا يصيبها ولا من أجل منصب أو جاه، وإنما خرج ضد الظلم والاستبداد والفساد غيرة على هذا الوطن الغالي ونصرة لهذا الشعب المضطهد المسحوق.واللهم أنزل السكينة على كل مصاب وألهم الصبر لمن ابتلي بفقد الأحباب، واجعلنا اللهم ممن يصبر على القضاء ويرضى بالبلاء. 

قراءة 911 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 26 فيفري 2020 11:53