الخميس, 27 فيفري 2020 13:15

سقى بدمائه الثورة السلمية المستمرة ...ذكرى "الشهيد الرمز" د.حسن بن خدة مميز

كتب بواسطة :

لم أجد ما أصفه به "الشهيد" د.حسن بن خدة (نجل الرئيس بن يوسف بن خدة) خيرا مما قاله الحسن البصري عن عمرو بن عبيد: "رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته، إن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه، ولا باطنا أشبه بظاهر منه"، وما أراني قائل أبلغ من هذا.

صاحب همَ وهمَة، من معدن أصيل راسخ الانتماء، تخرج من أرقى الجامعات في إنجلترا، حادَ الذكاء، ديَن ورع متعفف، بارع في تخصصه ذو عقلية تخطيطية إدارية فذة، تشهد له بها شركات عالمية عملاقة انتسب إليها في فترة إقامته في بريطانيا وكذا شركات اتصالات محلية ارتبط بها لفترة بعد عودته..

منفّذ لما يؤمن به، وكان كما هو، من دون تكلف ولا تصنع ولا تظاهر، ولا يتكبر إلا صغير حقير. فالسنبلة الممتلئة تبقى منحنية الرأس، أما الفارغة فتظل مرفوعة الرأس، فلا يتواضع إلا من كان واثقا..

وأجدر الناس بالكرامة: من تلفتت نفسه ليستعيد شعبه حقوقه وكرامته. خرج في جمعة 01 مارس 2019 (الجمعة الثانية للحراك الشعبي) ولا يدري عن مصيره شيئا، إلا أنه مقدام لا يُحجم، ومقبل لا يدبر، ولا يفزع عندما يفزع الناس، هادئ الطبع تعلوه ملامحه سكينة، غير هيَاب، ذو حرارة بعيدا عن البرود، جادَ يترفع عن الصغائر والدنايا، قليل الكلام، فالمرء إذا امتلأ: سكت، ونطق عنه حاله، ولم تكن به حاجة إلى دعاية لنفسه.

وهذا في زمن أُهمل فيه ذوو الكفاءة والمروءة ونظافة اليد... رأى إهمال الثقات، وصعود النكرات، وتمكين للفساد والمفسدين، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، حتى ليعجب أحدنا إذا رأى شيئا مستويا، لندرته. والرجل صاحب نجدة ونخوة وغيرة، يكره الظلم بطبعه، سليل عائلة سياسية ثورية عريقة، من جهة الأم والأب. الشهيد "الرمز"، وإن لم يكن حريصا ولا مهتما لا بالظهور ولا بالتصدر، لكن لعل الله اختاره من بين الملايين اصطفاء له، ليرفع ذكره ويُعلي شأنه، في الدنيا والآخرة...والرمزية" أقبلت عليه وهو عنها مُعرض، وهو بها أجدر وأحق.

اغتيل مرتان، مرة في معمعة الحراك، وفي الجمعة التي حشدت لها العصابة البوتفليقية رجال المال القذر والبلطجية وقوات الشرطة لضرب الثورة من داخلها وبث الهلع في أوساط المتظاهرين ونشر الرعب، فما فزع الرجل ولا انسحب، بل سار مع الركب رفقة إخوانه وأفراد عائلته، رافضا لأي اصطدام مع قوات الشرطة، عارفا بحيل وخبث تحالف الاستبداد والفوضى فنأى بنفسه مع صحبه، لكن انهالوا عليه بالحجارة فسقط شهيدا مُدميا وهو يحلم بأن يهزم هذا التحالف البغيض الناهب الناهش.

وقتلوه، ثانية، بأن أهملوا ذكره ولم يتتبعوا حقيقة مقتله، وفرضوا على قضيته طوقا من النسيان وستارا كثيفا من التجاهل، لكن يأبى الله تعالى، غيرة على عبده، أن تُطوى أخباره ويغمره التجاهل، فيُقيض له من يحيي ذكراه ويرفع صوره، فهو الأحق بـ"رمزية" هذه الثورة السلمية الضاغطة الرائعة التي سقاها بدمه الطاهر، وما أحجم ولا تردد ولا استنكف، ودفع ضريبة الحرية والكرامة من دمه.. فكان ثائرا حرا من الأمجاد، حتى إذا أتواه بعده قالوا: مرَ، وهذا الأثر.

لماذا لم تهدأ قليلا أيها الحر النبيل، وكان بوسعك أن تؤثر الصمت وتلزم بيتك، وقد أقبلت عليك الدنيا راغمة، فزهدت فيها عن تمكن ومقدرة وسعة؟ ولو أراد الدنيا لما صبر على المعاناة ومرارة التهميش في بلده، ولاستقر به المقام في بريطانيا إداريا ناجحا وأستاذا جامعيا محاضرا متألقا وبارعا في فنه وحيزت له الدنيا، فما اغتر، ولا ركن، ولا انكب عليها انكبابا ولا تهافت عليها، بل غادر بريطانيا عائدا إلى بلده، وهو في أوج العطاء وذروة الشَهرة قاصدا منفعة بلده وخدمة شعبه والبحث عن معنى للحياة، عاش كبيرا بعقله وفكره مهموما قضية تحرير الوطن، وأنهى الله حياته في الدنيا ثائرا حرا أصيلا، وسقت دماؤه هذه الثورة المباركة..

وفي بلده، أرادوه أن يقبع في مكان ثابت ولا يتحرك، هكذا هي أوطننا، قفص من حديد، لا تغادره إلى مناطق وشعب أخرى، لم ينالوا من طهره ونزاهته، ولم يتمكنوا من توريطه في أي صفقة مشبوهة مريبة، وما إن يرى اعوجاجا بيَنا يستقيل ويغادر شريفا متورعا متعففا زاهدا فيما يتهافت عليه الناس، تاركا المناصب الرفيعة ومُؤثرا الاستقامة وصدق القول والعمل.

وثار مع الثائرين في 22 فبراير، وسار في موكب الأحرار في الجمعة التي تلتها، فقد أدرك، باكرا، وهو في بريطانيا، أن لا معنى لحياة إمرئ سلبي، يرتع في هذه الدنيا، والقوم يصطرعون من حوله، ووطنه يُنهب ويُنهش، وهو يتفرج. كان حريصا، في صمت، أن يكون له أثر يطبعه قدمه مع الركب الثائر السائر، إذ المتأخر في الالتحاق، متأخر في شرف وفضل منازلة عصابة الطغيان والاستبداد في الميادين والساحات بسلمية ضاغطة..فكان له ما أراد، وختم الله له بالحسنى، ونرجو له أن يكون قد صدق الله فصدقه.

قراءة 335 مرات آخر تعديل في السبت, 29 فيفري 2020 09:22