الإثنين, 02 مارس 2020 17:14

خسارة الضغط الشعبي و"شرعية الشارع" لا تُعوَض بأي قوة ضغط أخرى مميز

كتب بواسطة :

ممَا أوصى به أحد أبرز الباحثين في الثورات العربية أن "فرض سيطرة أمنية ميدانية على الشارع يعني ضرب الحراك في مقتل...مهم جدا إبقاء الزخم في الشارع حتى لا يفرض الحصار الأمني منطقه، فتفقد، بهذا، حركة التغيير الشعبية أقوى ما تملكه في مواجهة السلطة الحاكمة"...

يُخطئ، ثم يُخطئ، ثم يُخطئ من يظن أن "المبادرة" تأتي بما لم يأت به ضغط الشارع، هذا وهم...علمتنا الثورة المصرية أن ضياع الشارع وخسارة قوة الضغط الشعبي لا تُعوَض بأي قوة ضغط أخرى..ويسهل التهامنا من الدوائر المتربصة إذا ضعفت قوة الشارع وزخمه..

خطة سلطة القمع عزلُ الحراك عن حاضنته الشعبية، وكلما ضعف أو تراجع زخمه ازداد التَّعامل معه كأنه عبء أو كتلة فوضوية سائبة بدلا من كونها ثورة شعبية عارمة، كما لو أنه تسبب في إحداث الشَّرخ المجتمعيَ، ويمكن بالتزييف والدعاية الكاذبة والتحريض أن توضع الحدود بين المتظاهرين الثائرين وبين بقيَة المجتمع، وهي حدود يسهل رسمها، بأن يُؤلَب النَّاس عليهم بالأساليب الشَعبويَة القديمة التي تؤدِّي إلى تسخين هذه الحدود.

وفي أنظمة الحكم القمعية التسلطية، كما عليه الأمر عندنا، تصبح شرعيَة الشَعب "شرعية الشَارع" حين لا تكون الانتخابات النزيهة الشفافة مُمكنة. وشرعيَة الشارع، بوصفها تعبيرا عن شرعيَة الشعب، تصلح حين تُكمم أفواه أفراد الشعب عن التعبير، وتُفرض عليهم الانتخابات بالقوة والقهر والمصادرة والحصار، وأما في النظم الديمقراطية، فإن "الشارع" ليس بديلا عن "شرعية" الشعب الدستورية، فليست "شرعية الشارع" بديلا عن "شرعية الشعب"، وإنما يستمد "الشارع" شرعيته وزخمه من عدالة قضيته ومطالبه واحتضان الشعب المقهور له عندما تستأثر أقلية متغلبة بالحكم والوصاية والسيطرة.

ولا يمكن تغيير ثقافة النَاس السياسيَة إلى ثقافة ديمقراطية في ظلِ الاستبداد. أما الثنائيَة التي تجعل الخيارات تقتصر على الاستبداد أو الفوضى، فما هي إلا ثنائية سلطة القمع والاستبداد نفسها، واختار الحراك الشارع والساحات بسلمية ضاغطة منضبطة. ولا يمكن إعادة عجلة التَّاريخ إلى الوراء، وهذا لا يثبت في "فلسفة تاريخية" تقترب عادة من أن تكون تجريدا حالما، بل يثبته الفاعلون على الأرض، وهم الثوار الصامدون، لا المراهنون على سلطة الأمر الواقع من صغار السياسيين الذين يعولون عليها بلؤم وميكيافيلية وانتهازية.

قراءة 354 مرات آخر تعديل في الإثنين, 02 مارس 2020 17:26