الإثنين, 09 مارس 2020 11:05

الرُشْدُ الحراك مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

ذكرنا في مقال سابق أنّ الحراك المبارك  يُحاًصِرُ ولا يُحَاصَر، لهذا يتباهى الكلّ بالانتساب إليه، وانتسب إليه حتى أولئك الذين لم يكن لهم حظ في نشأته أو اكتماله، فضلا عن أن يكون له دور التفكير فيه أو حضوره فعلا، وهؤلاء بعضهم يزايد على الحراك المبارك فيريده أن يكون على مقاسه، وآخر يقدّم نصائح متفرّج لمناضل ميداني، وثالث يُسدي نصيحة مشفق بقصد ثني العزائم، و...لكننا ما كنّا نظن أن يأتي يوم شخص يسفّه الحراك من بدايته إلى نهايته، وكأنّه في غيبوبة كبرى، أو هي الغيبوبة المبرمجة. وهذا النمط من البشر سأقف معه في وقفة سريعة في مستهل المقال، ثم نواصل في الكتابة عن حراكنا، وآثرت في هذا المقال زاوية الرشد والترشيد الحراكي.

استبعد في المستهل من التعليق في موضوع الرُشْد من كانت تصريحاتهم بعيدة غريبة مستهجنة عن الحراك، وخاصة تصريحات شخص بلغ خريف العُمر فعاد القهقري ناسفا لكلّ ما بدا عنه من تصريحات حسنة في ربيع عمره، مخالفا لما بدر عنه في صيف ذلك العُمر، فمن كان يُمَجِّد مدافعة الاستبداد في ربيع عمره، ويسترخص لأجل مدافعته المُهَجَ، يُقْلِقُه حراك سلمي حضاري، وأبدى تعاطفا مع سكان الحي الذي تتم فيه الفعاليات الحراكية، يقضُّ مضجعه أن يتحرّك عموم الشعب الجزائري يوم الجمعة بين صلاتي الجمعة والعصر، يرفعون شعارات مدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، ويرددون شعارات تعمّق الوعي الشعبي في هذه المدافعة الحضارية السلمية.

الذي يستشيط غضبا على الحراك الشعبي، ولا يستشيط للاستبداد والفساد، فمثله كمثل من يستغرب عدالة الصحابة ويسلّم بعصمة مطلقة (منذ ولد إلى أن يوسّد في التراب) لأشخاص غير رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، لأنّ هذا الشخص وأشباهه هم خارج مجال التغطية، لا يهمهم التمكين للمدنية ولا التمكين للسيادة الشعبية، بقدر ما يهمهم ما بُرْمِجوا به في صيف العُمُر وخريفه، فلم نر لهم في المرحلتين عناية بالوطن، فلم نسمع لهم همسا فيما يخصّه، وكلّ ما ملأوا الأجواء به لا يخرج عمَّا استوثقته أنفسهم في صيف العُمر وخريفه، لهذا فكلامهم كمثل انفلونزا الطيور، التي دخلت إلى التداول ثم اندثرت، فسيكون مصير كلامهم كمصير هذه الفقاعات الإعلامية.

الرُشْد الذي نريده يستوعب كلّ المجالات، رُشْد التصورات، ورُشْد التصرفات، ورُشْد البرامج والتحرّكات، أوّل أمارات الرُشْد الحراك العارم، الحفاظ على السلمية مهما كلّفنا من تضحيات، لأنّ العُنْفَ هو الميدان المفضّل للاستبداد والفساد، إنّه بمثابة مدد بالحياة لمن مصيره الزوال سُنَنيا، فلا تجاري العنف، واعمل على وأده في مهده، لأنّ عواقبه على الوطن عظيمة، والحراكي الصميم، يكون حرصه على الوطن حرصه على بيته الذي يأويه (الوطن بيتنا الكبير)، فإذا وقع العنف فسيخرِّبون بيتك (وطنك)، وسيعرضون مكاسب شعب للخطر، فلا تمنح الفرصة من يريد تخريب وطنك.

لهذا من علامات الرُشْد الفارقة أن تحافظ على السلم التام، فتكون تصرفاتك قيمة مضافة في الحفاظ على المكاسب كل المكاسب المادية والمعنوية، فكلّ ما تدمّر أو تخرّب يعود علينا بالضرر، فلا تخريب ولا هدم، فكن حريصا على تطهير الطريق من الحصى المادي والمعنوي تلك التي تستعمل لإرباكك، نبّه إلى وجودها، حذّر من مغبّة استعمالها، اصنع وعيا بالسلمية التامة، وأهميتها في الحاضر والقابل.

من الرُشْد أيضا، الوحدة على تبني المطالب الجامعة والثبات عليها والصبر على حضورها فينا وحضورنا بها، والصبر على الوضع المعقّد والتعامل معه بحذر شديد، من أصعب الأمور في ظل أوضاع غير مألوفة، والحرص على مطالبنا في الوحدة على مدافعة الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، هذه أهم المطالب الوطنية الجامعة، مع اتّفاق تام على الحد الأدنى من الإجماع السياسي الذي عرفته الجزائر منذ عهود، فالحد الأدنى هو بيان أوّل نوفمبر، نجتمع عليه، وندافع عنه وبه عن شعب يريد التعبير عن سيادته بكلّ حرية ووضوح.

الرُشْد في النظر إلى الآفاق المستقبلية، ينتظر حراك سياسي قوي في مجموعات سياسية وطنية متجانسة أساسها الحراك الجواري النامي سننيا ليصبح حراكا سياسيا وطنيا، وظيفته إسناد الحراك الشعبي المبارك الذي يُعَدُّ أكبر قوة سياسية وطنية بامتياز، الحراك السياسي في مجموعات ليس بديلا عن الحراك الشعبي المبارك، بل هي قوى إسناد وحفاظ على المكاسب، تأخذ شرعيتها من مسايرة المبادئ الرئيسة للحراك، وتفقد مباركة الجمهور لها بقدر  بُعْدِها عن الروح الحراكية التحررية الوطنية، سمتها العامة أنّها ليست معادية للقيم الأصيلة ولم تتنصّل من تاريخها المجيد، هذه الروح التي تروم تأسيس دولة كما أرادها الشهداء في بيان أوّل نوفمبر.

ويعود حرصنا على الحراك الجواري إلى الاحتياط في الحفاظ على مكاسب الحراك في المقام الأول، ومنع تسرّب مناضلي اللحظات الأخيرة، وسدا لباب الإساءة للحراك بتقديم أشخاص ليسوا محلّ اتفاق جمهور الحراكيين الميدانيين، طبعا الإجماع أمر محال، وهذا لا يعني أن نكون أغرارا، فالحيطة مطلوبة حفاظا على مكاسب حراكنا المبارك.

الرُشْد في العمل الجماعي الموسّع يفرض توسيع دوائر الاستشارات الحراكية، فلا نقبل من المبادرات إلاّ ما كان شفافا في نشأته أولا، وتصوّراته ثانيا، وتصرّفاته ثالثا، ومن فقد الشفافية في ذلك (على الأقل مع حراكيي الميدان) فلا مطمع في التعاون معه، لأنّه اختار حيل الاستبداد في السير السياسي والنضالي العام، لأنّ أهمّ ما يتأسس عليه العمل الاستبدادي المحسّن فقد الشفافية، والحرص على الغموض أو الإغراق في التفاصيل، قبل الاتّفاق على الكليات العامة الجامعة.

قراءة 289 مرات آخر تعديل في الإثنين, 09 مارس 2020 11:25