طباعة هذه الصفحة
الأربعاء, 15 أفريل 2020 17:03

وجهة نظر: الإقالات العسكرية.. هل يستفيد تبّون ضمنيًا من الحراك الشعبي؟ مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

بعد إقالة الجنرال واسيني بوعزة، رئيس الأمن الداخلي (الاستخبارات)، تظهر في الساحة السياسية الجزائريّة مفارقة كُبرى، هي أن الرئيس تبون الذي يهتف ضدّه الحراك منذ شهور، ويطالبه بالرحيل، ويطعن في شرعيته، يستفيد بصورة غير مباشرة من الحراك لإزاحة خصومه العسكريّين داخل منظومة الحكم.

منذ الأيّام الأولى لوصول تبّون إلى قصر المراديّة، أراد العسكريّون أن يوصلوا رسالتهم بشكل واضح للرئيس الجديد بألاّ يتخطّى الحدود المرسومة له بدقّة، وجرى إحراجه سياسيًّا وإعلاميًّا من خلال إلغاء قراراته أمام الملأ، وأبرزها إقالة رئيس جهاز الجمارك ثم إعادته إلى منصبه في نفس اليوم.

لكن هذا النمط المزدوج من الحكم، من خلال واجهة مدنيّة وأخرى عسكريّة كان سيؤدّي في نهاية المطاف، سواء طال الزمن أو قصر إلى صدام حتميّ بين الطرفيْن، وقد سرّعت عوامل مثل الحراك وجائحة كورونا والأزمة الاقتصاديّة بهذا الصِدام وخرج بشكل واضح للعلن.

ما تُثبته إقالة بوعزّة بشكل رئيسي هو أن العلاقة بين الحراك والسلطة، أو على الأقل جناح معيّن منها بقيادة الرئيس عبد المجيد تبّون، ليست علاقة صفريّة كما قد يعتقد البعض، إذ إن جناح رئيس الجمهورية يستفيد من الحراك بصورة غير مباشرة في صراعه مع باقي الأجهزة الأمنية والأجنحة المتنافسة داخل منظومة الحكم.

عندما هتف المتظاهرون في العديد من الولايات ضد الجنرال واسيني بوعزة بشعار "بوعزّة واسيني، حب يولّي السيسي"، بالإضافة إلى تصريحات العربي زيتوت، الذي له كلمة مسموعة عند عموم المتظاهرين سواء اتفقنا أو اختلفنا مع بعض مواقفه، فإن ذلك قد صبّ بشكل غير مباشر في مصلحة جناح داخل السلطة كان يريد التخلّص من الجنرال بوعزّة الذي كان (حسب المعلومات غير المؤكّدة التي تنتشر هنا وهناك) يريد بشكل أو بآخر أن يخلف الجنرال توفيق، باعتباره الشخصية صاحبة النفوذ الأقوى والكلمة العليا داخل منظومة الحكم، في صِدام مباشر مع الرئيس تبّون وحلفائه.

صحيح أن الحراك الشعبي يخرج كلّ أسبوع بهتافات ضد الرئيس تبّون، طاعنًا في شرعيّته وفي الانتخابات التي جاءت به، ومطالبًا بتغييرات جذريّة في النظام السياسي، لكن الأمر غير المتوقّع هو أنّ الحراك نفسه قد أصبح أداة يستقوي بها الرئيس تبّون ضد خصومه داخل منظومة الحكم، وقد جاءت إقالة الجنرال بوعزة واسيني ثم إدخاله السجن لتؤكّد هذه الحقيقة.

تبّون الذي يرغب في انتزاع صلاحيّات حقيقية من السلطة العسكرية التي أمسكت بمقاليد الحكم بشكل مباشر بعد إقالة بوتفليقة؛ يعيش مع الحراك الشعبي علاقة متناقضة من الحبّ والكراهية: فمن جهة، الحراك الشعبي يُضعف شرعيّته أمام الخارج بشكل رئيسي ويُعيق إصدار أي قرارات لا تحظى بالشعبيّة ويضعه في مأزق سياسي؛ ولكن من جهة أخرى، فإن الحراك نفسه، من خلال مطالبته المستمرّة والمتكرّرة بالدولة المدنية وعودة العسكريين إلى الثكنات، يقوّي في الحقيقة من موقف تبّون أمام خصومه.

"دولة مدنية ماشي عسكرية".. من هو الرجل المدني الوحيد الموجود في سدّة الحكم وسط قطيع من العسكريّين الذين يؤمنون بأنهم هم من أتوا به إلى السلطة، وبالتالي عليه الإذعان لهم وحفظ مكتسباتهم، وعدم الخروج عن الدور الذي رسموه له كواجهة مدنيّة فقط؟ اعتقال بوعزة واسيني يؤكّد مرة أخرى أن الحراك على حقّ في رفع شعار "دولة مدنية ماشي عسكرية"، كما يؤّكد أن الصراع داخل منظومة الحكم بواجهتيْها المدنية والعسكرية تمثّل خطرًا حقيقيًا على البلاد خصوصًا في هذه المرحلة العصيبة التي تشهدها فعل اشتداد الأزمة الاقتصاديّة بحكم انهيار أسعار البترول، بالإضافة إلى جائحة كورونا التي لها انعكاسات صحية واقتصاديّة كبيرة.

من مصلحة تبّون ألاّ يتوقّف الحراك لكي يستعمله كورقة ضغط لانتزاع صلاحيّات ومساحة تأثير أكبر في سدّة الحكم، في مقابل العسكريّين الذين يتمنّون توقّف الحراك الذي ينادي بعودتهم إلى الثكنات؛ وبالتالي كما ذكرت في مقال سابقٍ لي فإن المناورة الوحيدة والأخيرة للرئيس تبّون تكمن في انضمامه إلى معسكر الحراك من خلال قيادة مرحلة انتقاليّة توافقيّة، تجري من خلالها تغييرات عميقة داخل النظام تُؤدّي إلى توسيع المشاركة الشعبية وإبعاد العسكريين عن مراكز اتخاذ القرار.

قراءة 504 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 15 أفريل 2020 18:32