الجمعة, 24 أفريل 2020 05:31

رمضان يحرر الإنسان من الوثنية السياسية مميز

كتب بواسطة :

كل الطاعات والشعائر تجمع بين التحرير والاستسلام، وهذا من حكم الله البالغة، تحرير من التعلق بغير الله وضبط الشهوات وتوجيه لها، وأن الحياة لا تستقيم على حال، فتستحكم الغفلة، وإلزام النفس وإرغامها على الاستسلام والخضوع لخالقها، والتبصر بأحوالها وحيلها والتطهر من أمراضها...

وليس في هذا تعذيب لها كما رأى غلاة المتصوفة، وإنما مجاهدتها، أي ترويضها على الانقياد والانضباط، فلا يصير الإنسان عبدا لذاته صريع شهواته، فتذله المنكرات وترغم أنفه في الأوحال وتوثقه، فيصير محبوسا سجينا للغواية، والله يغار على عبده ومن غيرته أن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن..فيحرره ربه من الارتباط المادي الأرضي ويسمو به إلى معالي الأمور..فيكون منه الذل والانكسار بين يدي الله، مستسلما لأمره، ضابطا لشهوته متحكما في نزواتها طاعة لله، وهذا من تمام العبودية لله تعالى، فالانقياد والاستسلام هما من أخص خصائص العبودية لله تعالى، فلا يستسلم العبد لشهوة ولا لنزوة ولا لحاكم ولا لسلطة ولا لشهوة ولا لطاغية وإنما الأصل أن تقاوم كل أنواع التسلط النفسي والاستعباد السياسي تحريرا للإنسان من الخضوع لغير الله وتكريما له...

ولهذا، كان من شأن أهل المروءة، سلفا، أنه إذا بلغ الإمام الدعاء للأمراء والحكام قاموا فصلّوا، ولا يصغون إليهم، لأنه لغو..وكان إبراهيم النخعي يتكلم والإمام يخطب زمن الحجاج، وكذلك نقل الشاطبي عن العز بن عبد السلام قوله إن "الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة"، دفعا للوثنية السياسية التي تُفسد التوحيد الخالص لله تعالى، فلا نشرك به أحدا بالخنوع لغيره، وتحريرا للإنسان من الاستسلام لغير الله، إذ من معاني التوحيد ألّا يُضيَع أي جزء من طاقة الخضوع والرهبة تملقا لمخلوق أو رهبة منه.. وهذا من تمام تنزيه الله تعالى وتحرير العقائد من السلطان، وتحرير السياسة من نزعات التقديس الإلهي...

وإذا كان التوحيد ليس من عمل الإنسان، فإن الوثنية من صنع يده (فاستخف قومه فأطاعوه)، وهي لا تبرز في دنيا الناس بإلزام علوي بل تنشأ من أسفل (أي من إرادة الناس)..لتُبدَد طاقة الإيمان والخضوع لله وتُصرف إلى أصنام أرضية..

وقد استوقفت عالِم النفس الألماني الشهير "أريك فروم" ظواهر امتلاء الجماهير بالقداسة والإعجاب من شخصيات مثل هتلر وستالين، وكذلك ظهور أفكار أقرب للديانات مثل النازية والستالينية والشيوعية وغيرها، وتوصَّل إلى أن هذا السقوط وراءه إيمان مغترب، وديانات أرضية، حلَّت محل التوحيد... في رأي "فروم" أن ثمة عودة للوثنية القديمة في صورة سياسية، والوثنيات تعلو عندما يتيه التوحيد.. وتزداد لذة القابلية للاستبداد والحنوع الوثني كلما تمادى الحاكم في الأحدية والفردانية، وأطاح بحكم الدستور والقانون، ونازع الله في صفات القوة والجبروت والعظمة..

وكان "هيجل" يرى أن هذه النزعة التأليهية للحكام تجعل الإيمان بالله يفقد جدواه ويصير بلا قيمة ولا مقتضى عملي.. والتوحيد إنما حرّر الإنسان من أسر الرموز الصنمية، أو الزعامة التي يصنعها ويهتف باسمها ويتملق لها...

قراءة 233 مرات آخر تعديل في الجمعة, 24 أفريل 2020 05:43

المقالات ذات الصلة (بواسطة كلمات مفتاحية)