الخميس, 28 ماي 2020 06:02

فليرقصوا وليسكروا وليحتفلوا ثم ليرجعوا إلى الحظيرة مميز

كتب بواسطة :

هكذا دائما ينظرون إلينا، ربما من الحروب الصليبية، أهل تهتك ودناءة وعبيد شهوات، وكأنما خُلقنا لنكون تابعين منقادين، لنا أن نرقص ونسكر لكن محرم علينا الفهم والإرادة والوعي والتحرك خارج المرسوم، وعقدتهم الكبرى استمراء الغزو الدائم والقهر المتواصل للآخرين..

ولهذا، تجد المستعمرين والسادة يُنفقون دائما على مرح الطبقة الدنيا التابعة وإلهائها وإغوائها كثيرا، فليرقصوا وليسكروا وليحتفلوا ثم ليرجعوا إلى الحظيرة...وكما كتب المفكر الموسوعي "محمد الأحمري": "كان من أساليب ملاك العبيد في أمريكا أن يشغلوهم عن مآسيهم في المواسم بحفلات الرقص والسُكر، وكان مالك العبيد يسخط ممن لا يشارك ولا يشرب"...

يسمح لنا الغرب أن نكون "غيتو" أو حارة ثقافية مُغلقة، وعندما ننتقل إلى دائرة التأثير السياسي والثقافي يضيق بنا أكثر، إنه لا يرغب في وجودنا المؤثر، أي إننا عندما نريد التأثير نكون ضحية للنبذ.. ومشكلة العين النمطية الغربية المشوهة، أنها دائمة السخط علينا ولا تتوانى عن تشويه صورتنا... والمساحة تصغر كلما أصبحت صاحب قضية وتأثير..

وفي المجتمع الغربي حرية، ولكن لمن لا يكون مؤثرا...فعندما يظهر لك صوت وصورة وتصبح مؤثرا يتغير تعاملهم معك، ورأيت هذا وعشته فترة إقامتي في الولايات المتحدة الأمريكية...وربما من أدق أوصاف الغرب ما كتبه "ماركوز" في كتابه الشهير "الإنسان ذو البعد الواحد": "ثمة غياب للحرية ناعم، سلس معقول، يسود في الحضارة الصناعية المتقدمة"، يعني أن الناس قد لا يشعرون بهذه "الدكتاتورية الناعمة"....

والعالم الغربي أو العالم المسيحي، كما لا يحب أن يُسمى، تعود لأكثر من خمسة قرون أن يغلب ويقهر ويستعمر ويستعمل منافقيه ومتملقيه وفراخه في قهر العالم الإسلامي، ويستلحق دائما أتباعا ويجند مرتزقة ليكونوا صدى لرأيه وأفكاره واستعلائه وعنصريته.. والمنافقون والأتباع والسماسرة، وكل هؤلاء يطيلون زمن خديعته..

وقرر الغالب المستدمر أن علينا البقاء في عالم الاستسلام والتبعية والدونية، ويوجه اللوم إلينا دائما، ويصورنا في أبشع صورة وأحقرها وأكثرها تهتكا وانحلالا، ويرون أنهم الأحق بإطلاق الألقاب والأوصاف دائما، لأننا كنا مستضعفين ومغلوبين ويجب أن نبقى كذلك، وليس لنا حق الفهم، فقد قرروا أنك مغلوب تابع، ولا مكان لها خارج المغلوبية..

أما التحرر والانعتاق وبناء قوة تحررية ذاتية مستقلة فمحرم علينا، لأننا لا نستحق أن نعيش خارج الحظيرة، وإذا ثُرنا سيعمد إلى تشويهنا وإسقاطنا لأنه لا يحق لنا أن نتمرد وتكون لنا إرادة مستقلة..ورؤيتك لنفسك يحددها لك، فأنت كما يريد هو لا كما تريد أنت، وأنت لست إلا الصورة النمطية التي روج لها وصنع منها خياله ومواقفه وأجج بها حروبه وكثف بها غاراته وتدخلاته واحتلالاته.. فهو الصائح المحكي والآخر الصدى..

قراءة 210 مرات آخر تعديل في الخميس, 28 ماي 2020 06:27