طباعة هذه الصفحة
السبت, 13 جوان 2020 20:17

التطرف في المواقف لن يخدم حراكنا الشعبي في شيء مميز

كتب بواسطة :

لغة التحدي والتجييش من المزايدات الفارغة..المعركة طويلة ومستمرة، وهي بين هبوط وصعود، ليست على خط واحد، ولا نستعدي الخصومات والعداوات، ولا نُلهب المشاعر بما لا يتحمله الموقف والتقدير وظروف اللحظة الراهنة ولا نعرض ولا ينبغي للحراك أن يتعرض للبلاء لما لا نطيق.

لا يخدم القضية من يتطرف معها، ومهمة من يتصدر للرأي والموقف هو جعل التغيير قضية رأي عام وتخليص المواقف والآراء من التطرف والسلبية والدلالة على حدود الممكن والمقدور عليه، وأن يكون له حضور وتأثير في عملية إدارة الصراع بمنطق متزن وعقل سياسي مستوعب..إذ نسعى وندفع في اتجاه الانتقال المرن من الاستبداد وحكم الأقلية إلى الاختيار الحر بعيدا عن الوصية بأقل الأضرار ولو طال بنا الزمن والطريق المتعرج، بعيدا عن أنواع التطرف والتهور والاندفاع الأهوج..

والتطرف في المواقف لن يخدم قضيتنا في شيء، وليس دليل شجاعة ولا إقدام ولا بأس، بل يعكس أحيانا بُؤسا فكريا وفقرا في الوعي، بما يخدش الصورة الناصعة للثورة، ويؤثر في وحدة الصف والتلاحم بين القوى الشعبية للحراك. والخطاب المُفرَق أو المُهيج بما يُفضي إلى الاختلاف والتضارب في عزَ المعركة السلمية ضد الاستبداد مُهلك للثورات.. 

وكثير من رجال الإصلاح والصبر الجميل في الثورة الفرنسية انقلبوا أيام الهول والذهول والحيرة والقلق إلى أناس متعصبين متطرفين، وقد علق المؤرخ الفرنسي الدارس لنفسية الجماهير على هذا بعبارة جميلة مُعبرة موحية: "قد يصير المرء بتأثير البيئة الجديدة امرأ آخر"..فالبيئة المنغلقة المتعصبة تصنع التطرف ويقل فيها العقل والاتزان وترى الوضع بعين واحدة وعقل ضيق..

ولا يمكن، بأي حال، ترك حركة التغيير بأيدي أناس مغامرين يغلب عليهم الاندفاع والتهور واستبدت بهم المشاعر الجامحة..فالثورات تولد من الأمل في التغيير لا من اليأس والعدمية، والثورات ظاهرة متحركة، والمرونة دليل قوة وثقة واقتدار، فالانتقال السياسي المرن هو أعزَ ما يُطلب، فإذا حُرم النظام القمعي من التحكم في المجتمع (إذ التحكم هو رهان السلطة المستبدة المتغلبة) وفقد السيطرة على حياة الناس، ذهبت ريحه وخسر إحدى ركائز استمراره..ثم إن الثورات السلمية لا تهدم النظام المستبد مباشرة وبضربة قاضية، وإنما تستنزفه بحرمانه من دعم بعض مكونات سلطته، (دارسو الثورات يسمونه "التجويع السياسي") فيتصدع ويفقد جاذبيته ويصبح عبئا على ذاته والمجتمع..

قراءة 421 مرات آخر تعديل في السبت, 13 جوان 2020 20:26