الثلاثاء, 16 جوان 2020 14:21

الثورة الهادئة... حتى لا نُفرَق حراكنا مميز

كتب بواسطة :

ما نحتاجه حقا وصدقا وعدلا في الفترة الحاليَة ما يُسمَيه دارسو الثورات: "البطولة الهادئة"، منعا لأي استدراج أو اندفاع أهوج، فالصراعات بين هبوط وصعود وليست ضربة لازم ولا هي خط ثابت غير متعرج، وفي لحظة يكون فيها قوة الموقف ونبرته عالية، وفي لحظة أخرى الغلبة للتهدئة والتروي من دون تنازل عن المبادئ، فإدارة الصراع عقل واتزان ومنطق وليست استعراضا موهما للقوة..

والخوف من الحكم المتسلط يغيب بمقدار ما يستمر الناس في رفضهم له، وهذا يزيد ولا ينقص ومن أكبر مكاسب حراكنا الثوري..وبأيدينا أوراق ضغط ومكاسب قلا نضيعها بالمبالغة في الخوف على الحراك وسوء تقدير الموقف والحال والمآل..

والأصل أن تتقدم العقول وذوو البصيرة والحكمة الثورية في الفترات العصيبة واللحظات الحرجة والعواصف الهوجاء، لا أن يُترك الرأي والقرار بيد المندفعين المتهورين، فالعفوية إن لم تُمزج وتُلجم بلجام العقل والحكمة والتنظيم بارت وغارت.. والاستبداد يستخدم ورقة الفوضى الاجتماعية، وكثيرا ما تخرج من عباءته، والفوضى مهلكة للثورات، وهي أوسع الأبواب التي يعود منها الاستبداد..

والخشية من أن "الكتلة الحرجة" (الكتلة الصلبة الموجبة للتغيير)، التي انطلقت بها الثورة، قد تتحول أشتاتا من التكتلات والمجموعات التي لا يجمع بينها سوى العداوة للنظام الاستبدادي، دون اتفاق على خطة عملية للتغيير.

وإذ أثبتت القدرة على تجاوز الحفر الأيديولوجية والمصالح الضيقة جدواها في الميادين والساحات، فإن غلبة الأنانية وكثرة الرؤوس وتحويل الثورة إلى حركة مطالَبة مُفرق للثورة ومُذهب لريحها.. ومهم جدا، هنا، أن لا نُحوَل المفكرين (أو المثقفين) إلى ممثلين ولا نتحول إلى متفرجين يأسرهم الإعجاب والتقديس والتصفيق، بل نحن في حاجة ماسة إلى التوقف عن "مسرحة" الأفكار والمفكرين...وهذه مسألة مهمة أشار إليها الفيلسوف "بيكون" وتتكرر في كل الأزمنة تقريبا، وهي حاضرة معنا ولا تكاد تغادرنا..

زار الفيلسوف "ميشيل فوكو" إيران مرتين والتقى الخميني في إقامته بباريس قبيل الثورة وانبهر به وذاب في الثورة الإيرانية، ثم سكت عنها بعدما تبين له خطأ التماهي الكلي معها إلى أن مات..ومهم أن يجعل المثقف الثائر بينه وبين الثورة مسافة أو هامشا لا أن يذوب فيها فيتوهم ويغالي ويغيب عنه الحس النقدي، فيعيش واقعا افتراضيا أو مجتمعا خياليا.... وقد قالت العرب: "رَوِّ تحزُمْ فإذا استوضَحْتَ فاعْزِمْ"...التروَي ثم الاستيضاح، فالعزم، وإنما يكون العزم والحزم هذا بعد التروَي والتبين، فقد أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد، كما نُقل عن أحد الحكماء..

قراءة 263 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 16 جوان 2020 22:19