الجمعة, 19 جوان 2020 18:19

المساجد....منها بدأنا وإليها نعود ومن ساحاتها نستأنف مميز

كتب بواسطة :

المساجد....منها بدأنا وإليها نعود ومن ساحاتها نستأنف.. حراكنا الواعد الطموح، ليس بدعا في الثورات العربية، يتدفق من المساجد إلى الساحات والشوارع والميادين..الثوار الأحرار، في الثورات العربية الأخيرة، نجحوا في إحداث التشبيك المُلهم المؤثر المُبدع، بين صحن المسجد وصفحة الفيسبوك.. إذ الثورة عقل ومنطق وحسن تقدير وإنضاج للموقف والظروف.

وعندما دخلت القوات البريطانية إلى طهران خلال الحرب العالمية الأولى، سمع قائد الحملة الذي لا يعرف العربية أو الفارسية صوت مؤذن، فسأل من هذا؟ قيل له إنه رجل دين يدعو الناس إلى الصلاة. فقال: وماذا يحدث بعد أن تنتهي الصلاة؟ أجاب مساعدوه بأن الجمع يتفرق ويذهب كل إلى بيته. فرد القائد: حسناً، إن هذا لا يضيرنا، دعوه ينادي للصلاة.ولعل مغزى الإشارة الدلالية لهذه القصة التي رواها قادة الثورة الإيرانية أنه يُراد للمسجد، في كل مراحل أزمنة الانحطاط السياسي وظلمات الاستبداد والطغيان، أن يقتصر أداؤه على وظيفة واحدة من وظائفه المتنوعة المؤثرة، حتى لا نقول تجريده من التأثير الاجتماعي التشاوري التعبوي الذي نهض به أول الأمر.

ولعل الثورات العربية الأخيرة أعادت إلى المسجد المخطوف تأثيره حتى أصبح مركز الثقل في الحركة الشعبية الواعية الدافعة نحو التغيير السياسي، واستعاد يوم الجمعة (دون المنابر) حضوره وتألقه، وذلك بحسب ما تفيض به مشاهد المظاهرات والاحتجاجات التي أخذت تنطلق في زمن الثورات الشعبية من ساحات المساجد بعد صلاة الجمعة، وآخرها الحراك الشعبي الجزائري الزاخر.. 

ومع أن المساجد كان لها في كل الأزمنة مثل هذا التأثير المركزي أحياناً، باعتبارها ساحة حشد وتعبئة، وأدت بعض وظيفتها التاريخية العظيمة في عدد قليل من المرات المشهودة، إلا أنها ظلت تفتقد إلى صورتها المؤثرة الأصيلة، خاصة في سنوات اشتداد الحصار والمنع والمصادرة.

ورأينا بأم أعيننا، في الماضي القريب،أن الثورة المصرية التي غيرت وجه المنطقة، ما كان لها أن تنطلق إلا من المساجد، وألا تبلغ مداها الأخير في ميدان التحرير إلا من عتبات مسجد عمر مكرم، تماماً على نحو ما نشاهده اليوم في المظاهرات الاحتجاجية في سورية، التي لا متسع في رحابها الواسعة للمنادين بالحرية إلا ساحات الجوامع في درعا ودمشق وحمص وشقيقاتها، تماماً على نحو ما بدأ فيه الحراك الشعبي في الجزائر منذ 22 فبراير 2019.

وقد اكتشفت قوى الحراك، باكرا، القيمة العظيمة للمسجد، باعتباره ساحة تعبئة وحشد، ورفع الصوت ضد الظلم والاستبداد، ومنه انطلقت حركة التغيير الشعبية الواعية المتدفقة، وقد نجحت في إحداث التشبيك الخلاق بين صحن المسجد وصفحة الفيسبوك، وكسرت حاجز الخوف والترهيب دفعة واحدة.وإذ غابت المساجد بإغلاقها فلا يُتصور أن ينجح أي تحرك شعبي أو استئناف لمسيرات الحراك، لأن المسجد يظل مركز الثقل وساحة حشد وانطلاق، فقوته تتجاوز الجانب التعبدي الشعائري إلى الحشد والدفع والجاذبية والإلهام.

ومن ضُعف المتابع والمتصدر للحديث والتوجيه، ممن اغتر بموقف أو جرفه تيار الانسياق وراء التعجيل باستئناف المسيرات، أو حجبت الغفلة عنه الرؤية الصحيحة، القصور المعرفي في حقيقة ما يحدث، وفاته أنه لا ثورة بلا معالم ومراكز الثقل، ولهذا يسعى لكل نتيجة سريعة سهلة لا تكلفه وقتا ولا فهما ولا إلماما...

ووجود المُوجَه المثير المغفل أو السطحي طبيعي، ولكن تسيَده مشهد توجيه الحراك يحدث غالبا حينما تتراجع المعرفة الجادة والإدراك الصحيح وتتوارى العقول الواعية الناضجة المستوعبة المُدركة...والعقل الثائر الواعي المُلم يصرَ على رفع ناسه ومجتمعه فوق نقصهم وضعفهم ولا يتجاوز مراكز الثقل وساحات الحشد والتعبئة والانطلاق. 

قراءة 371 مرات آخر تعديل في السبت, 20 جوان 2020 13:49