الإثنين, 22 جوان 2020 13:26

لكل صاحب حق مقال...خلَوا بين "بوراوي" وبين الرأي السياسي مميز

كتب بواسطة :

لا قيمة لكل الشعارات والأيديولوجيات إذا لم تجعل كرامة الإنسان أولا، فلكل صاحب الحق مقال، وهنا الحديث عن الطبيبة والناشطة المثيرة للجدل، بوراوي، وإن كانت معروفة بجرأتها على قضايا الدين والطعن والافتئات بما كان الأولى أن تُمنع من ذلك، في حدود معينة، لكنها اليوم مُتهمة وحُكم عليها في قضايا الرأي السياسي، فالطعن في حقائق الدين ومحكماته مسموح به، ولم تتحرك السلطات ولو لزجرها، والنقد السياسي والجهر بالاعتراض على سياسات التسلط مآل صاحبهما الاعتقال والتوقيف؟؟ فإلى أي منطق وقيم تحتكمون؟؟

وبعيدا عن شخص الناشطة "بوراوي"، فالعبرة بإلغاء كل أشكال الاستبداد وسياسات القمع وتعطيل الحقوق. فالمطلوب، إذن، هو تعزيز وترسيخ الحريات المشروعة، وخصوصا حرية الرأي والرأي المضاد، وليس العودة إلى مرحلة التسعينيات بتقييد الحريات وقمعها من جديد، فالأولى في مجتمعات الاستبداد هو أن لا يُفتح مجال واسع للسلطة كي تقيد حرية الرأي على وفق مصلحتها، فالأولى تحصين حرية الرأي أولا ثم مناقشة الاستثناءات لاحقا، إذ ليس من مصلحة المجتمع أن تتضخم وظيفة الضبط والتحكم في السلطة..

والتحرك والتدخل لا يكونان إلا في نطاق ضيق، ليس منه الاعتراض والسياسي ولا حرية الرأي في قضايا الشأن العام وإدارة شؤون البلاد والعباد، أما الطعن في حقائق الدين والمحكمات فهذا ليس من الرأي وإنما هو افتئات وتعدَ على المقدسات. والحرية الشخصية تعني أن المسؤولية مناطة بالفرد لا بالدولة ولا بغيرها، فالدولة لا تتدخل إلا في حدود ضيقة، وإن كان شيئا مكروها وهذه طبيعة الدولة المعاصرة.

ولنا أن نتساءل أين من كان مع "بوراوي" أيام حركة "مواطنة" و"السياسي" الذي يوزع "صكوك" الإفراج عن معتقلي الحراك، ولم يتحدث إلا بعد أن أخرجوه من الغار، والوزير المُغرم بها وأين من يبكي عليها الآن؟ وإنما ننتصر هنا لحرية الرأي والتعبير في قضايا الشأن العام، فلا حجر ولا إكراه ولا مصادر، حتى وإن عادت وصبت أحقادها على من تتهجم عليهم، وقد أعماها الحقد الإيديولوجي عن الانتصار لأبسط الحقوق لأحد أكثر ضحايا الاستبداد اضطهادا وقمعا، الشيخ علي بن حاج، وغيره من المحرومين من أي صوت أو حضور ممن تراهم "ظلاميين"..

ولن نخون أمانة البيان، فننتصر للظلم والتعسف وإن كان ضحيته من المبتلين بالعمى الإيديولوجي، وكان التشفي الهابط منطقه ولغته، فآخر قلاع الحريات هي حرية التعبير، ولا حرية بعدها، ولن نسقط فيما سقطوا فيه من انتقائية مقيتة تعافها النفوس السوية والضمائر الحية اليقظة، فنستنكر التعسف والقمع ضد "بوراوي" انتصارا لقيم الحرية ورفضا للطغيان والتعسف تحت أي مُسمى كان.

وما أبلغ وأروع ما خطته أنامل ابن تيمية الحرَاني في رسالة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر": "العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقاً لا يُباح بحال...وأمورُ الناس تستقيمُ في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراكُ في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيمُ مع الظلم في الحقوق، وان لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيمُ الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وان كانت مسلمة. ويٌقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام... ذلك أنّ العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمرُ الدنيا بعدل، قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خَلاق، ومتى لم تقم بعدل، لم تقم، وان كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزي به في الآخرة".

ولا أدري لم لم ينصح مثقفون كانوا قريبين من "بوراوي"، وصوتهم عال، بأن الإيديولوجيات العمياء المُغلقة مضرة بالمجتمعات والأوطان، ترى في الملتزمين بدينهم ظلاميين ولا يرون ظلاميتهم هم مع الغارقين في الظلمات والانحطاط، وهم يدركون أن "بوراوي" دماغها محتلة بأديولوجيا متطرفة معادية لقيم الشعب ودينه؟؟

ومن تذرع بالعلمانية لتمرير الدجل والطعن، فالعلمانية ليست معيارا ولا مستندا، ولا تقتضي الحرية ولا العدالة، بل هي مجرد إقصاء أو تحجيم الدين في الحياة العامة، مثلما يحدث في أي نظام دكتاتوري فاسد وقمعي. وأما تبني التقسيم الغربي المتعسف للحياة بين ديني ودنيوي، فهذا تقسيم غير معترف به، وهنا مهم أن يتنادى المثقفون والمفكرون وأصحاب الرأي إلى الجمع بين صيانة الدين وحقائقه وتكريس الحرية ليكون هذا أساسا لإجماع أخلاقي نتجاوز به أنواع الدجل والزندقة والانتقائية والتحيز الأعمى والطعن الفاحش للمقدسات، ونميز به بين حرية الرأي وحرية الكفر.  

قراءة 525 مرات آخر تعديل في الإثنين, 22 جوان 2020 13:44