الجمعة, 26 جوان 2020 04:58

أهم المعارك وأشرسها...ليس ثمة تحرر من الطغيان من دون وعي مميز

كتب بواسطة :

الإغراق في المشاهد الجزئية يُضعف الرؤية الكلية للصراع، وقد قيل: "الكبار يتحاكمون إلى الأفكار، والصغار يتناطحون في الوقائع"..معركة الوعي من أشرس وأهم المعارك الطويلة ضد الاستبداد..وإضعاف الوعي وتشتيت التركيز من أخطر الأسلحة لصرفك عن قضيتك..

ويُراد لنا أن نتلهى ونتسلى بأحاديث وأحداث جانبية ومشاهد جزئية...وأغرقوا بعضنا في جدل الهوية فأفسدوا علينا بعض قضيتنا وبعض حراكنا..وهم في هذا يستثمرون في كل ما يقسم ويفرق ويوسعون دائرته، وبعضنا بلع الطعم وأصبح جزءا من الخطة من حيث يدري أو لا يدري...

إنما تُخسر القضايا على مستوى الوعي قبل أن تتعثر ميدانيا..الميدان انعكاس لحالة الوعي..فساحة المعركة الحقيقية هي الوعي، فمن أخفق فيه سيتعثر في الميدان..ومن تدرَج في مدارج الوعي والفهم طال به النفس في الصراع وبرع في إدارته وخوض معاركه..ومن أبطأ به وعيه لم يسرع به ميدانه...

ولطالما أسهم تزييف الوعي في تثبيت أقدام الاستبداد وإجهاض موجات الغضب الكبرى..وليس الوعي هنا عملية حشد ومراكمة معلومات لا تجدي في ذاتها شيئا ما لم تكن خاضعة لتصورات وقيم متماسكة، تُحصَن صاحبها من سحر الغواية والعبث بعقله والتأثر بأنواع الخداع والتضليل، فتخوض معارك مُفتعلة مستنزفة خاسرة، وتحمل فأسا وتُحدث ثقبا في السفينة من حيث تظن أنك تُحسن صُنعا..وسبيل المعرفة والتحرر والوعي هو الركون إلى أصول صامدة قوية، وقليلة وبانية ومؤثرة.

والوعي منه فهم واستيعاب وإحاطة، وإنما يتسلل الخداع والزيف من إحدى هذه المعاني، وربما تصبح طرفا في معركة غيرك بما يضر بقضيتك وأنت لا تدري...فسلطة الاستبداد تراهن على كسب الوقت في إضعاف الوعي وتشتيت التركيز وصرف الانتباه والاستدراج لمعارك استنزاف تضر بالقضية الأم والمعركة الكبرى وتُميَعها أو تغرقها في الصوارف ومشاهد الإلهاء وجدل التقسيم والتفتيت...

وعلى هذا، فالعلاقة بين تحرر الإنسان ووعيه وثيقة الصلة، فالثورات الشعبية السلمية هي بداية الوعي وليست آخره، كأنما يولد الشعب من جديد، ويسلك طريق اكتساب الوعي تدريجاً عبر مسار متعرج يرتبط مداه الزمني بقدرة المجتمع الثائر الناهض على مقاومة المحاولات التي لا تتوقف لمسخ ما يكتسبه الناس فيه من وعي، فليس ثمة تحرر من طغيان من دون وعي، فالوعي يوصل مسار التحرر إلى مبتغاه. وقد كتب أحد أرواد الفلسفة العربية الحديثة، الألماني عمانويل كانط، قبل خمس سنوات فقط على اندلاع الثورة الفرنسية: "إذا كانت ثورة ما كافية لإنهاء اضطهاد يمارسه طاغية، فالمجتمع يتنور ويتحرر تدريجاً، وبشكل بطيء غالباً. فما لم يتعود الناس أن يفكروا بأنفسهم ولأنفسهم، سيبقون كالدمى في أيدي حكام جدد يحلون محل الطاغية المخلوع...".

قراءة 183 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 01 جويلية 2020 20:57