الثلاثاء, 07 جويلية 2020 19:10

الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية مميز

كتب بواسطة : رضوان بوجمعة / أستاذ الإعلام

الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة "فرانس 24" الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال، يطرح أكثر من تساؤل من الناحية السياسية، وأعتقد أن الحوار من هذه الناحية يثير حتى الاستغراب من حيث الجهة التي يستهدفها، وإن كان ممكنا مخاطبة الجزائريين أو الفرنسيين من قناة مرتبطة بالدبلوماسية الفرنسية، وعدم التفكير حتى في إلقاء خطاب موجه للجزائريين والجزائريات بلغة تفهمها الغالبية الساحقة من الأمة بمناسبة كبيرة، هي عيد تحرير الأرض من الاستعمار.

وبعيدا عن محتوى الحوار ووقته، فإن المثير أن هذا الحوار الذي أشرفت عليه الرئاسة نشطه صحفي فرنسي نجح في أن يعطي لنفسه وللقناة التي يعمل بها صورة المهنية والمصداقية، عكس كل الحوارات التي تسهر عليها الرئاسة وتستدعي لها مدراء ورؤساء تحرير الصحف والقنوات الجزائرية، وتصر الرئاسة على اختبار الأسئلة وتسيير اتجاه الحوار، في صورة تجعل منهم يظهرون بمظهر أعوان الدعاية وسط ديكور لا يمت بصلة مع الاتصال.

فما هي هذه السياسة الاتصالية التي تقودها الرئاسة في عهد التكنولوجيا وحروب الصورة؟ ولمصلحة من يتم تعميق التضييق على حريات الصحفيين في الجزائر، ويتم في الوقت نفسه معاملة الصحفيين الفرنسيين كصحفيين كاملي الحقوق وليس كأعوان دعاية كما يتم ذلك مع الصحفيين الجزائريين؟*فرانس 24 دعامة الدبلوماسية العمومية 14 سنة من الوجود..

تأسست "فرانس 24" سنة 2006 ضمن إعادة هيكلة الإعلام الخارجي الفرنسي، وهي تبث بأربع لغات الفرنسية والإسبانية والانجليزية والعربية، واختيار اللغات له ارتباط بمصالح فرنسا في كل المناطق التي تنطق بهذه اللغات، وهي تعتبر دعامة من دعائم الدبلوماسية العمومية، حيث أن الرئيس الفرنسي هو الذي يعين المسؤول الأول عن القناة مع استشارة مجلس السمعي بصري، وبرعاية الكيدورسي الذي يعمل على عقد اجتماعات مستمرة مع حراس البوابة في القناة، بما يخدم مصالح الخارجية الفرنسية ومناطق نفوذها.

وحتى تنجح القناة في عملها وفي تحقيق أهدافها، وظفت كفاءات من كل الجنسيات بما فيها الجزائرية التي تخرجت من كلية الإعلام في العاصمة، وهي الكفاءات التي تعمل بمهنية تجعلها لا تتورط حتما في أية ورقة سياسية.

الصحفي الفرنسي نجح في الحصول من تبون على كثير من التصريحات التي تخدم السياسة الفرنسية وصانع القرار في فرنسا دون أن يظهر بأنه يؤدي عمل عون من أعوان الدعاية، وهو أول ما لاحظه منتقدو الأداء الإعلامي الجزائري على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي.

* تبون والدعاية الفرنسية:

حاور الصحفي الفرنسي تبون دون أن يقع في فخ انعدام المهنية بالدعاية للسياسة الفرنسية، لكنه طرح الأسئلة التي جعلت تبون يقوم بهذا الدور في سياق خطابه الدبلوماسي المعلب سياسيا، بل ونجح في أن يفتك من تبون تصريحات فيها الكثير من الدعاية لشخص الرئيس الفرنسي، فقد وصف تبون المسؤول عن قصر الإليزيه بأنه "صادق ونزيه ونظيف جدا"، واستخدم حتى تصريحات ماكرون في حواره للصحفي الجزائري المسجون خالد درارني كدليل لما اسماه بالنظافة التاريخية لماكرون.

الحوار كذلك جعل الصحفي يُكذَب تصريحات تبون بشكل مباشر وهو في قصر الرئاسة، فمن خلال إيماءات وجهه وردة فعله على قول تبون بأنه لم يكن من مدعمي خامسة بوتفليقة، فهم المُشاهد أن تبون لا يقول الحقيقة، وهو أمر ما كان لخصوم تبون القيام به حتى ولو اجتهدوا في ذلك، كما إن الصحفي نجح كذلك من خلال أسئلته أن يظهر عبد المجيد تبون في شكل المحامي الذي يدافع عن براءة عبد العزيز بوتفليقة من ملفات الفساد، وهي كلها تصريحات واعترافات لا تخدم السياسة الاتصالية لتبون أن كانت هناك سياسة وإستراتيجية.

الصحفي الفرنسي افتك من تبون ما يخدم السياسة التحررية للقناة التي يعمل بها، والدبلوماسية العمومية الفرنسية التي تعتبر قناة فرانس 24 أحد دعائمها، وهو حوار يذكرنا في بعض جوانبه بالحوار الذي نشطه الصحفي المسجون خالد درارني مع الرئيس ماكرون عشية زيارته الجزائر، وهو الحوار الذي نجح فيه خالد في أن يفتك منه اعترافا بأنه الاستعمار جريمة ضد الانسانية، وهي تصريحات أدت إلى نقاش واسع في فرنسا، حيث تعرض ماكرون إلى حملة واسعة من اليمين المتطرف ومن الأطراف التي يسكنها "حنين الجزائر الفرنسية"، بينما كلام تبون لم يقل لا انتقاد ولا نقاش لا شكلا ولا مضمونا...

* لقاءات تبون مع الإعلام الجزائري.. دعاية ومقبرة المصداقية:

حوار تبون مع "فرانس 24" سهرت عليه مصالح الرئاسة، تماما مثلما ترعى اللقاءات الدورية مع مدراء ورؤساء تحرير الصحف والقنوات الجزائرية، فلماذا يعمل الصحفي الفرنسي بكل راحة مهنية وينجح في إحراج تبون بكل الأسئلة ويفرض حتى وقت وزمن الحوار؟ ولا يسمح للإعلام الجزائري بذلك؟

اللقاءات التي تنظمها مصالح الرئاسة تبدأ باختيار من يحاور الرئيس، ثم تتصل بهؤلاء أسبوعا قبل اللقاء وتطلب منهم إرسال أربع أسئلة، على أن تعود بيروقراطية الرئاسة إليهم باختيار سؤالين فقط دون غيرهما، في لقاء مرتب سلفا ويتم تسجيله وتركيبه، بشكل يجعل الصحفي الجزائري يظهر بمظهر عون الدعاية الذي يحترف التملق مقابل صفحات الإشهار التي أعطى لهذه الصحف والقنوات.

النتيجة لبيروقراطية الاتصال هذه التي يقودها محمد السعيد -رسميا على الأقل- هو زيادة الشرخ والقطيعة بين الإعلام الجزائري والجمهور، بل إن حوار فرانس 24 زاد في تعميق هذا الشرخ، بل وأعطى مصداقية لقناة فرنسية ليست سوى أداة من أدوات الدبلوماسية العمومية الفرنسية.

حوار تبون واللقاءات الدورية مع الإعلام الجزائري، هي مؤشرات كافية تبين غياب الحد الأدنى من ثقافة الدولة في تسيير الاتصال بحجم مؤسسة تسمى رئاسة الجمهورية، بل وما يحدث يؤدي إلى نتائج عكسية قد لا نفهم معناها إلا من خلال مقولة: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه... 

قراءة 212 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 07 جويلية 2020 19:33