الخميس, 20 أوت 2020 13:05

مؤتمر الصومام...أفذاذ سبقوا زمانهم مميز

كتب بواسطة :

قادة الثورة الذين أسعفوا الثورة بمؤتمر الصومام، تنظيما وتنسيقا وتصورا، رأوا الخلاص من الأزمات والعقبات التي أرهقت الثورة التحريرية بهيكلة الثورة وتنظيم صفوفها وإعادة ترتيب أوراقها حتى لا تنهشها صراعات السيطرة والتحكم.

ولا يمكن تصور ثورة تحريرية ضخمة خلوا من حالة الاستقطاب والتجاذب ومُبرَأة من النزاع على التحكم، هذا ما كان وقد لا يكون، فانبرت مجموعة من عقول الثورة وقادتها المؤثرين في مسارها، ومن أبرزهم عبان رمضان ومحمد العربي بن مهيدي، للاستدراك والتصويب بإعادة "هندسة" الثورة وضبط مسارها..وأما التشكيك في أهداف المؤتمر ومراميه والمبالغة في تحميله ما لا يتحمله وما ليس فيه وإلباسه لبوسا منفرا، فعكست جوانب نفسية وصراع زعامات أكثر مما أملته حقائق تاريخية.

وأيَا ما كان، فما رسخه مؤتمر الصومام من ثقافة سياسية ثورية (أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج)، أملته الحاجة لإنقاذ الثورة من التصدعات المهددة لقضيتها الكبرى وتجاوز الحفر والعقبات، وثبت صوابه لاحقا، فالأصل في البندقية أن تكون خاضعة لعقل سياسي مُلمَ يدير الصراع ومسار تحرري ورؤية ناضجة مستوعبة، وإلا طغى المنطق العسكري وهيمن وساد وتوغل، وهذا يضر بالقضية ويفسد المسار، وأصبح لغة الحسم حتى في إدارة الخلافات والنزاعات الداخلية وما بعد الاستقلال، وهو ما كان لاحقا.

وهم، من خططوا لمؤتمر الصومام، إنما اجتهدوا في البحث عن حل لخلافات الثورة ونزاعاتها، وتجاوزوا حفر الإيديولوجية ومرض المناطقية وسموم العصبيات، ودافعهم الخوف على الثورة من أن تعصف بها الفوضى، وتتخطفها أيادي الشرق والغرب، فتذهب ريحها وينتشر اليأس والإحباط، وأن تُؤتى من داخلها، وتعاملوا مع تحديات اللحظة التاريخية بما يناسب الظرف وسياق الزمان والمكان، فلم يجبنوا وينكفئوا ويكتفوا بالتفرج، بل تقدموا وبادروا وكان عصارة عملهم واجتهادهم تنظيم الثورة وهيكلتها وتجاوز حالة الترهل فيها، وقطع الطريق على اختطاف البندقية للثورة والتحكم في مسارها، وهذا تقدير موفق سبقوا به زمانهم السياسي والوعي التاريخي لتلك اللحظة، وقد صدقت تنبؤاتهم، فقد استولى العسكر على الحكم مع إعلان الاستقلال وانقلبوا على الحكم المدني، فكان ما كان مما نعيش مرارته وكوارثه ومآسيه إلى يومنا هذا..

فكان مؤتمر الصومام، في لحظته وظروفه وسياقه، من أكبر إنجازات الثورة وما حققه قادتها الأفذاذ، وكانوا منفذين لرؤيتهم جادين في بحثهم عن حل بما هو ممكن ومتاح، وأصحاب قضية وشجاعة في الطرح وعمق في النظرة وعقل واسع، وقد رأوا بوعيهم وبصيرتهم وفطنتهم، حينها، ما لم يره بعض أو كثير من أقرانهم ونظرائهم في ذلك الوقت.

قراءة 256 مرات آخر تعديل في الخميس, 20 أوت 2020 13:25